2) الإعتقاد أصل العمل

aka 002أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء وسيّد المرسلين، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

في البحث السابق قلنا بأنّنا - وقبل الدخول في أبحاث العقائد ومسائلها - نحتاج إلى مقدّمة نبيّن فيها أهميّة هذه الأبحاث وهذه المسائل، وذلك لثلاثة أسباب:

 

الأوّل: أنّ الإهتمام بالشيء إنّما يكون بقدر معرفة أهميّته.

الثاني: كثرة التشكيكات المطروحة في أهميّة العقائد وأبحاثها.

الثالث: انتشار دعوى الإلحاد وخطرها على مجتمعاتنا.

 

في البحث السابق عرفنا من خلال الرجوع إلى قوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود: 1-2)، أنّ (التوحيد) هو روح القرآن الكريم وحقيقته، وأنّ كلّ آية في القرآن إنّما جاءت لتدعو الإنسان إلى (التوحيد)؛ باعتباره هو (الأصل الحقّ) الذي تفرّعت منه بقيّة الأصول الحقّة، فكلّ أصل حقّ إنّما هو متفرّع منه وعليه، ولاشكّ أنّ الإعتقادات الحقّة كلّها متفرّعة من الأصول الحقّة؛ إذ لا يمكن أن يتولّد الإعتقاد الحقّ من أصل باطل، فإذا كان التوحيدُ هو أصل الأصول الحقّة كلّها، وكانت الأصول الحقّة هي أصل الإعتقادات الحقّة كلّها، كان التوحيد هو الأصل في الإعتقادات الحقّة كلّها، فكلّ اعتقاد حقّ يرجع إلى التوحيد ويبنى عليه، وكلّ اعتقاد لا يرجع إلى التوحيد ولا يُبنى على أساسه فهو اعتقاد باطل وإن تلبّس - من حيث الظاهر - بلباس الحقّ، فإذا عرفنا أنّ (التوحيد) قائم على أساس وجود الله (عزّ وجل) - إذ لا معنى لأنْ يوحِّد الله تعالى مَن لا يعتقد بوجوده - عرفنا أنّ (الإعتقاد بوجود الله تعالى) هو أصل كلّ الأصول الحقّة، وبالتالي أصل كلّ الإعتقادات الحقّة.

 

ولاشكّ أنّ (الإعتقاد بوجود الله) يقابل (الإعتقاد بعدم وجود الله تعالى)، بحيث لا يمكن أن يعتقد الإنسان بهما معاً في وقت واحد، بأن يعتقد بوجود الله تعالى وفي نفس الوقت الذي يعتقد فيه بوجود الله يعتقد أيضاً بعدم وجود الله تعالى.

 

ولاشكّ أيضاً أنّ (الأصول الحقّة) تقابل (الأصول الباطلة) بحيث لا يمكن أن يعتقد الإنسان بأصل حقّ وما يقابله من الأصول الباطلة في وقت واحد، بأن يعتقد بـ (عدل الله تعالى) مثلاً، وفي نفس الوقت الذي يعتقد فيه بعدل الله تعالى يعتقد أيضاً بعدمه، أو يعتقد بـ (النبوّة) مثلاً، وفي نفس الوقت الذي يعتقد فيه بالنبوّة يعتقد أيضاً بعدمها... وهكذا.

 

ولاشكّ أيضاً أنّ (الإعتقادات الحقّة) تقابل (الإعتقادات الباطلة) بحيث لا يمكن أن يعتقد الإنسان باعتقاد حقّ وما يقابله من الإعتقادات الباطلة في وقت واحد، بأن يعتقد مثلاً بـ (أنّ الله تعالى عالم) وفي نفس الوقت الذي يعتقد فيه بأنّ الله تعالى عالم يعتقد أيضاً بـ (أنّ الله تعالى ليس عالماً)، أو يعتقد بـ (أنّ الله تعالى قادر) وفي نفس الوقت يعتقد بـ (أنّ الله تعالى غير قادر)... وهكذا.

 

فإذ عرفنا أنّ (الإعتقاد بعدم وجود الله) يقابل (الإعتقاد بوجود الله تعالى)، وأنّ (الأصول الباطلة) تقابل (الأصول الحقّة)، وأنّ (الإعتقادات الباطلة) تقابل (الإعتقادات الحقّة).

 

وعرفنا أيضاً أنّ (الإعتقاد بوجود الله تعالى) هو أصل كلّ الأصول الحقّة وبالتالي هو أصل كلّ الإعتقادات الحقّة المتفرّعة منها.

 

عرفنا أنّ (الإعتقاد بعدم وجود الله تعالى) هو أصل كلّ الأصول الباطلة وبالتالي هو أصل كلّ الإعتقادات الباطلة المتفرّعة منها.

 

وعليه: إن اعتقد الإنسان بـ (وجود الله تعالى) لزمه أن يعتقد بكلّ ما يترتّب على هذا الإعتقاد من أصول واعتقادات حقّة، وإن اعتقد بـ (عدم وجود الله تعالى) لزمه أن يعتقد بكلّ ما يترتّب على هذا الإعتقاد من أصول واعتقادات باطلة.

 

نعم.. قد يقول قائل: وأين المشكلة في ذلك سواء اعتقد الإنسان بوجود الله تعالى وما يترتّب على ذلك من أصول واعتقادات حقّة أو اعتقد بعدم وجود الله تعالى وما يترتّب على ذلك من أصول واعتقادات باطلة ما دامت المسألة مجرّد فكر ونظر ولا علاقة لها بالسلوك والعمل؛ لأنّ المطلوب عقلاً في هذه الحياة هو أن يكون الإنسان طيّباً ويعمل صالحاً وليس مهمّاً بعد ذلك أن تكون اعتقاداته حقّة أو تكون اعتقاداته باطلة؟

 

ونجيب.. بأنّ كلام المستفهِم صحيح في حالة ما إذا كان (العمل) هو الأصل في هذه النشأة و (الإعتقاد) هو الفرع؛ لأنّ القيمة الحقيقة تكون للأصل، والفرع إنّما هو تابع في وجوده إلى أصله، فإن وُجِد الأصل وُجِد الفرع، وإن انعدم الأصل انعدم الفرع، فإذا كان (العمل) هو الأصل كان كلام المستفهِم صحيحاً، إمّا إذا ثبت أنّ (الإعتقاد) هو الأصل و (العمل) هو الفرع، فكلام المستفهِم حينئذٍ يكون خاطئاً، لا قيمة له؛ لأنّ (العمل) سيكون هو التابع لـ (الإعتقاد)، فإن وُجِد (الإعتقاد) وُجِد (العمل)، وإن انعدم (الإعتقاد) انعدم (العمل).

 

والذي ندّعيه نحن هو أنّ (الإعتقاد) هو الأصل و (العمل) هو الفرع، ولولا الإعتقاد لما تحقّق العمل في الخارج، وبالتالي تكون القيمة الحقيقيّة - في نظرنا - لـ (الإعتقاد) لا لـ (العمل)، ويكون كلام المستفهِم - بالنسبة إلينا - كلاماً خاطئاً غير صحيح.

 

أمَّا كيف أنّ (الإعتقاد) هو الأصل و (العمل) هو الفرع؛ فلأنّ (العمل) لا يتحقّق في الخارج إلاّ إذا وُجِد دافع يدفع صاحب العمل إلى العمل ويحفِّزه على القيام به، فالذي (يصلّي) مثلاً لابدّ أنّ يكون هناك دافع دفعه نحو الصلاة والإتيان بها ولولا هذا الدافع لما صلّى، والذي (يصوم) مثلاً لابدّ أنّ يكون هناك دافع دفعه نحو الصيام والإتيان به ولولا هذا الدافع لما صام، والذي يتصدّق على الفقراء والمساكين ويساعد المحتاجين مثلاً لابدّ أنّ يكون هناك دافع دفعه نحو القيام بذلك ولولا هذا الدافع لما قام بذلك العمل... وهكذا.

 

إذن.. لا يتحقّق (العمل) في الواقع الخارجي إلاّ بوجود الدافع الذي يدفع صاحب العمل إلى فعله، فما هو هذا (الدافع)؟

 

قد يكون الدافع نحو القيام بهذا العمل أو ذاك هو رضا الله (عزّ وجلّ)، وقد يكون الدافع هو المال أو الشهرة أو الرياء أو السمعة أو أيّ شيء آخر، فإنسان يصلّي ودافعه إلى الصلاة هو رضا الله (عزّ وجلّ)، وإنسان آخر يصلّي ودافعه إلى الصلاة هو الرياء، وإنسان ثالث يصلّي ودافعه إلى الصلاة هو التقيّة - كما لو فرضنا بأنّه يعيش في مجتمع مسلم محافظ على الصلاة وهو يخشى على نفسه منهم إن هو ترك الصلاة، فيصلّي حتى يقي نفسه من شرّهم - ... وهكذا، ولكن هل هذه الأمور - في نفسها - كافية لأنْ تكون دافعاً وحافزاً للقيام بالعمل في الواقع الخارجي - والذي هو الصلاة في المثال - أم لابدّ لصاحب العمل - وهو المصلّي في المثال - من أن يعتقد بهذا الدافع ويؤمن به؟ فالذي صلّى وكان دافعه إلى الصلاة هو رضا الله (عزّ وجلّ) لا أيّ شيء آخر، هل كان ليصلّي لو لم يعتقد بأنّ صلاته هذه تحقّق له ذلك؟! والذي صلّى رياءً، هل كان ليصلّي لو لم يعتقد بأنّ صلاته هذه تحقّق له ذلك؟! والذي صلّى خوفاً على نفسه من أهل ذلك المجتمع الذي كان يعيش فيه هل كان ليصلّي لو لم يعتقد بأنّ صلاته هذه تحقّق له ذلك؟!

 

بالطبع (لا)، فالذي دعا هؤلاء إلى الصلاة هو (اعتقادهم) بأنّ هذه الصلاة تحقّق لهم ما أرادوه من (رضا الله تعالى) أو (الرياء) أو (التقيّة) ولولا هذا الإعتقاد لما صلّوا، ولما تحقّقت منهم الصلاة في الواقع الخارجي.

 

إذن الدافع الحقيقي الذي دفع هؤلاء إلى الصلاة هو الإعتقاد لا شيء غيره، ومنه نعرف أنّ الدافع الحقيقي الذي يدفع الإنسان نحو العمل والقيام به هو (الإعتقاد)، فـ (الإعتقاد) هو أصل العمل، و (العمل) هو فرع الإعتقاد، ولولا الإعتقاد لما وُجِد العمل ولما تحقّق في الخارج، وإذا أردنا أن نشبّه (الإعتقاد والعمل) بـ (الساس والبناء)، قلنا بأنّ (الإعتقاد) بمثابة (الساس)، و (العمل) بمثابة (البناء)، وبالتالي كما لا يمكن أن يُبنى بناء من دون أساس فكذلك لا يمكن أن يتحقّق عمل من دون اعتقاد.

 

وهذه الحقيقة سجّلها القرآن الكريم في كثير من آياته، حيث تراه دائماً يقدّم ذكر (الإيمان) الذي هو الإعتقاد على (العمل)، فيقول: {الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ}[1]، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} (البقرة: 25)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 82)، وقال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (سورة العصر)... وهكذا، وحتى إذا قدّم ذكر (العمل) على (الإيمان) فهو إنّما يقدّمه ذكِراً لا مرتبة، بدليل أنّه يرجع (العمل) إلى (الإعتقاد) ويبنيه عليه، قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا} (طه: 112)، بمعنى أنّه مَن يعمل من الصالحات ولكن بشرط أن يكون مؤمناً، بأن يسبق عمله هذا إيمان، فالإيمان أوّلاً، والعمل ثانياً، فالإيمان في الآية متقدّم على العمل رتبةً وإن ذُكر في الكلام متأخِّراً، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: 97)، وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (النساء: 124)... وهكذا.

 

فإذا عرفنا أنّ الأصل هو (الإعتقاد)، و (العمل) ما هو إلاّ فرع له، وعرفنا أنّ الفرع إنّما يوجد ويتحقّق بعد وجود أصله وتحقّقه عرفنا شيئاً عظيماً من أهميّة العقائد وأبحاثها، فعلى عقائدنا تُبنى أعمالنا، ولولا هذه العقائد لما وُجدت الأعمال وتحقّقت، وبالتالي تكون هذه الأبحاث جديرة بالإهتمام باعتبارها المنبع الذي تنبع الأعمال منه.. والحمد لله ربّ العالمين.

 

لتحميل الدرس على صيغة pdf انقر على pdf


[1]  لقد وردت هذه الصيغة في خمسين آية.