6) تتمّة في الإعراب والبناء

Slide5بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد صلّى الله عليه وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

 

تقدّم الكلام في الإعراب، وقلنا بأنّ الإعراب هو "تغيير أحوال أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها"، وقلنا بأنّ الأصل في التغيير هو أن يكون ظاهراً في اللّفظ وأسميناه بـ (التغيير اللّفظي)، ويكون التغيير لفظيّاً إذا لم يمنع من ظهوره مانع، أمّا إذا منع من ظهوره مانع فإنّا نسمّيه بـ (التغيير التقديري)، وهو وإن لم يكن موجوداً في الظاهر إلاّ أنّه في قوّة الموجود، ثمّ ذكرنا بأنّ الموانع التي تمنع من ظهور التغيير في اللّفظ ثلاثة:

 

الأوّل: (التعذّر)، وقلنا بأنّ التعذّر يعني عدم القدرة على النطق بالحركات، ويكون في نوعين من الكلمة فقط، وهما: (الاسم المقصور) و (الفعل المضارع المعتل بالألف في حالتي الرفع والنصب)، وفي هذا الدرس نتحدّث عن المانعين الآخرين: الثاني والثالث.

 

أمّا المانع الثاني فهو (الثِّقْلُ): والمعنى أنّ النطق بالحركة ممكن ولكنّه ثقيل، وبما أنّ لغة العرب قائمة على الخفّة، والكلام الثقيل مستهجن عندهم وقبيح قُدِّرت الحركات على الآخر لتفادي الثقل في الكلام، ويكون (الثقل) في نوعين من الكلمة فقط، وهما: (الاسم المنقوص في حالتي الرفع والخفض) و (الفعل المضارع المعتلّ بـ (الواو) أو (الياء) في حالة الرفع).

 

أمّا (الاسم المنقوص) وهو الاسم الذي ينتهي بـ (الياء) من قبيل (القاضي) فإنّ حركة (الرفع) وهي الضمّة وحركة (الخفض) وهي الكسرة تقدّران عليه، فتقول: (جَاءَ القَاضِي) و (مَرَرْتُ بِالقَاضِي)، فـ (القاضي) في المثال الأوّل مرفوع؛ لأنّه فاعل إلاّ أنّ النطق بـ (الضمّة) على الياء وإن كان ممكناً - فأنت تستطيع أن تقول: (جَاءَ القَاضِيُ) - إلاّ أنّه ثقيل مستهجن، وفي المثال الثاني مخفوض؛ لأنّه مجرور بالباء إلاّ أنّ النطق بـ (الكسرة) على الياء وإن كان ممكناً - فأنت تستطيع أن تقول: (مَرَرْتُ بِالقَاضِيِ) - إلاّ أنّه ثقيل، وقلنا في حالتي الرفع والخفض؛ لأنّ حركة النصب وهي (الفتحة) تظهر على الياء لخفّتها، فتقول: (رَأَيْتُ القَاضِيَ).

 

وأمّا (الفعل المضارع المعتلّ بـ (الواو) أو (الياء)) فتقدّر عليه الحركة في حالة الرفع فقط، فالمعتلّ بـ (الواو) من قبيل: (يَدْعُو)، والمعتلّ بـ (الياء) من قبيل: (يَقْضِي)، فتقول: (يَدْعُو مُحَمَّدٌ عَلِيّاً) و (يَقْضِي زَيْدٌ دَيْنَهُ)، فـ (يَدْعُو) و (يَقْضِي) مرفوعان لتجرّدهما من الناصب والجازم، وعلامة الرفع الضمّة، ومع أنّ النطق بالضمّة على (الواو) و (الياء) ممكن - فأنت تستطيع أن تقول: (يَدْعُوُ مُحَمَّدٌ عَلِيّاً) و (يَقْضِيُ زَيْدٌ دَيْنَهُ) - إلاّ أنّه ثقيل مستهجن في اللّغة، فقدّرت عليهما الضمّة للثقل.

 

وقلنا في حالة الرفع فقط؛ لأنّ حركة النصب وهي الفتحة تظهر عليهما لخفّتها، فتقول: (لَنْ يَدْعُوَ) و (لَنْ يَقْضِيَ)، ولا خفض في الأفعال، أمّا في الجزم فيحذف حرف العلّة وتبقى الحركة على ما قبله حتى تدلّ عليه، ففي (يَدْعُو) تحذف (الواو) وتبقى الضمّة على ما قبلها حتى تدلّ على (الواو) المحذوفة فتكون هكذا (لَم يَدْعُ)، وفي (يَقْضِي) تحذف (الياء) وتبقى الكسرة على ما قبلها حتى تدلّ على (الياء) المحذوفة فتكون هكذا (لَم يَقْضِ).

 

المانع الثالث – اشتغال المحلّ بحركة المناسبة: ويكون ذلك في الأسماء التي تضاف إليها (ياء المتكلِّم)، من قبيل: (قَلَمِي) و (كِتَابِي) و (غُلاَمِي) وأمثال ذلك، فإنّ الحركات الثلاث تقدّر على الحرف الأخير؛ لاشتغاله بالكسرة التي هي حركة المناسبة لـ (ياء المتكلّم)؛ إذ يجب أن يكون ما قبل ياء المتكلِّم مكسوراً دائماً، فتقول: (هَذَا قَلَمِي وَكِتَابِي وَغُلاَمِي) و (رَأَيْتُ قَلَمِي وَكِتَابِي وَغُلاَمِي) و (مَرَرْتُ بِقَلَمِي وَكِتَابِي وَغُلاَمِي).

 

هذا هو الإعراب ويقابله البِنَاء، ومع أنّ المصنّف لم يتطرّق إليه إلاّ أنّه يمكننا أن نتعرّف عليه من خلال تعريف الإعراب؛ لأنّه بخلافه، فإذا كان الإعراب هو تغيير أحوال أواخر الكلم بسبب اختلاف العوامل الداخلة عليها كان البناء هو عدم تغيير أحوال الآخر بدخول العوامل عليها، فالمبني من الكلمات هو الذي لا يتغيّر أحوال آخره بل يلزم حالة واحدة، من قبيل: (هؤلاءِ) المبنيّة على الكسر دائماً، تقول: (جَاءَ هَؤُلاَءِ) و (رَأَيْتُ هَؤُلاَءِ) و (مَرَرْتُ بِهَؤُلاَءِ)، فـ (هَؤُلاَءِ) في المثال الأوّل في محلّ رفع على الفاعليّة، وفي المثال الثاني في محلّ نصب على المفعوليّة، وفي المثال الثالث في محلّ جرّ بـ (الباء)، ولكنّ (هَؤُلاَءِ) لزمت الكسر في المواضع الثلاثة، إذن هي مبنيّة وليست معربة.

 

كذلك إذا تغيّر حال آخر الكلمة ولكن لا بسبب العوامل الداخلة عليها كانت الكلمة مبنيّة لا معربة كما مرّ عليك في (حَيْث) - إذ يصحّ أن تقول: (جَلَسْتُ حَيْثُ جَلَسَ مُحَمَّدٌ)، وتقول: (جَلَسْتُ حَيْثَ جَلَسَ مُحَمَّدٌ)، وتقول: (جَلَسْتُ حَيْثِ جَلَسَ مُحَمَّدٌ) -، وليس معنى ذلك أنّ (حَيْث) يجوز فيها (الضمّ) و (الفتح) و (الكسر)، لا، بل هناك فرقة من العرب تبني (حَيْث) على الضمّ دائماً وتقول: (حَيْثُ)، وهناك فرقة ثانية تبنيها على الفتح دائماً وتقول: (حَيْثَ)، وهناك فرقة ثالثة تبنيها على الكسر دائماً وتقول: (حَيْثِ)، فأنت إذا قلتَ: (جَلَسْتُ حَيْثُ جَلَسَ مُحَمَّدٌ) كان قولك صحيحاً على رأي الفرقة الأولى، وإذا قلتَ: (جَلَسْتُ حَيْثَ جَلَسَ مُحَمَّدٌ) كان قولك صحيحاً على رأي الفرقة الثانية، وإذا قلتَ: (جَلَسْتُ حَيْثِ جَلَسَ مُحَمَّدٌ) كان قولك صحيحاً على رأي الفرقة الثالثة.

 

وكما يقع الإعراب في الأسماء والأفعال المضارعة فكذلك البناء يقع في الأسماء والأفعال المضارعة إلاّ أنّ الإعراب فيهما أصل والبناء فرع، والثمرة من معرفة ذلك تكمن في (إعراب الكلام)، فإذا وجدت اسماً معرباً أو فعلاً مضارعاً معرباً فإنّه ليس مطلوباً منك أثناء الإعراب أن تبيّن سبب إعرابه؛ لأنّ الإعراب هو الأصل فيهما، أمّا إذا وجدتَ اسماً مبنيّاً أو فعلاً مضارعاً مبنيّاً فإنّه يلزم عليك أن تبيّن سبب البناء في الاسم، وسبب البناء في الفعل المضارع لأنّه جاء على خلاف الأصل، فمثلاً عندما تعرب (هذا) في قوله تعالى: (هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، تقول: (هذا) مبتدأ مبني على السكون في محلّ رفع؛ لأنّه اسم إشارة؛ باعتبار أنّه سيأتي في محلّه أنّ أسماء الإشارة مبنيّة دائماً، أو تقول: (هذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.. وهكذا عندما تعرب (يُرْضِعْنَ) في قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، تقول: (يُرْضِعْنَ) فعل مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ باعتبار أنّ الفعل المضارع يبنى على السكون كلما دخلت عليه نون النسوة، وسيأتي تفصيل هذا في محلّه إن شاء الله تعالى.

 

وإذا قيل: (الإعرابُ أصلٌ في الأسماءِ وفرعٌ في الأفعال) و (البناءُ أصلٌ في الأفعال وفرعٌ في الأسماء) فبالنظر إلى الأفعال كلّها: الماضية والمضارعة والأمر، لأنّ (الأفعال الماضية) و (أفعال الأمر) لا تكون إلاّ مبنيّة.

 

إذن إلى هنا يتبيّن أنّ:

- الأسماء والأفعال المضارعة: الأصل فيها هو الإعراب، والفرع فيها هو البناء.

- الأفعال الماضية وأفعال الأمر وكذلك الحروف لا تكون إلاّ مبنيّة.

 

وممّا تقدّم يتّضح أنّ المقصود بـ (الأفعال) في قول المصنِّف: (وللأفعال من ذلك - أي من علامات الإعراب - الرفع والنصب والجزم) هي الأفعال المضارعة فقط، أمّا الأفعال الماضية وأفعال الأمر فهي مبنيّة دائماً ولا دخل للإعراب فيها.

 

وبعد أن انتهى المصنِّف من بيان الإعراب بيّن أقسامه وقال هي أربعة:

- (الرَّفْعُ) وهو تغيّر مخصوص في أحوال الآخر علامته الضمّة أو ما ينوب عنها.

- (النَّصْبُ) وهو تغيّر مخصوص في أحوال الآخر علامته الفتحة أو ما ينوب عنها.

- (الخَفْضُ) وهو تغيّر مخصوص في أحوال الآخر علامته الكسرة أو ما ينوب عنها.

- (الجَزْمُ) وهو تغيّر مخصوص في أحوال الآخر علامته السكون أو ما ينوب عنها.

 

وبعد أن بيّن المصنّف أقسام الإعراب الأربعة بيّن أنّ لـ (الأسماء) منها ثلاثة أقسام فقط، وهي: (الرفع) و (النصب) و (الخفض)، فتقول: (جاءَ محمّدٌ) و (رأيتُ محمّداً) و (مررتُ بمحمّدٍ)، وكذلك (الأفعال) لها ثلاثة أقسام فقط، وهي: (الرفع) و (النصب) و (الجزم)، فتقول: (يكتبُ محمّدٌ الدرسَ) و (لَنْ يكتبَ محمّدٌ الدرسَ) و (لَمْ يكتبْ محمّدٌ الدرسَ).. والحمد لله ربّ العالمين.