بين الصلح الحسني والثورة الحسينية

bhothأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

عندما يقرأ الإنسان سيرة الإمامين الحسنين (ع) قراءة سطحيّة خاليّة من التأمّل والتدبّر، خالية من الوعي والتفكّر، قد يتصوّر أنّ هناك تناقضاً بين السيرتين أو لا أقل هناك اختلاف كبير بين السيرتين، فأحدهما يصالح ولا يحارب، والآخر يحارب ولا يصالح، ومن هنا تكثر الأسئلة والإشكالات حول صلح الإمام الحسن (ع) وثورة الإمام الحسين (ع)، ويستشكل المستشكل ويقول: لماذا صالح الحسنُ (ع) معاويةَ وحارب الحسينُ (ع) يزيدَ؟ ولماذا لم يُحارب الحسنُ (ع) معاويةَ ويصالح الحسينُ (ع) يزيدَ؟ ولماذا لم يصالح الإثنان أو يحارب الإثنان؟ ونسي هذا المستشكل أنّ الحسن والحسين (ع) - كما يقول رسول الله (ص) - "إمامان قاما أو قعدا"[1]، صالحا أو لم يصالحا، وحاربا أو لم يحاربا، فالإمام مسدّد من قِبل الله تعالى فلا يخطئ ولا يجور، وإنّما يفعل ما يفعل عن حكمة إلهيّة، ولو كان الحسن مكان الحسين لقاتل يزيد، ولو كان الحسين مكان الحسن لصالح معاوية، يقول الصحابي الجليل جابر بن عبدالله (رض): لمّا عزم الحسين بن علي (ع) على الخروج إلى العراق أتيته فقلت له: أنت ابن رسول الله (ص) وأحد سبطيه، لا أرى إلاّ أنّك تصالح كما صالح أخوك؛ فإنّه كان موفّقاً رشيداً، فقال: "يا جابر، قد فعل أخي ذلك بأمر الله ورسوله، وأنا أيضاً أفعل بأمر الله ورسوله"[2]، فهما واحد، ونهجهما واحد، والغاية واحدة وإن اختلفت وسيلة كلّ منهما (ع).

 

وحتى يكون جواب الإمام (ع) واضحاً نحتاج إلى مقدّمة نلخّص فيها حال الأمّة قبل الإسلام وبعده، وما آل إليه الأمر في عهد الإمامين المجتبى والشهيد (ع)، فنقول:

 

 

أحوال الأمّة قبل وبعد الإسلام:

 

أمّا أحوال الأمّة قبل الإسلام فقد لخّصتها السيّدة الجليلة فاطمة الزهراء (ع) - في خطبتها الشهيرة التي ألقتها في المسجد النبويّ بعد وفاة أبيها (ص) مخاطبة فيها جميع المسلمين - حيث قالت: "وكنتم على شفا حفرة من النار، مُذقة الشّارب، ونُهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القِدَّ والورق، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم النّاس من حولكم فأنقذكم الله تعالى بمحمّد (ص) بعد اللتيّا والتي، وبعد أن مُنِي ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومَرَدة أهل الكتاب"[3]، حيث بيّنت (ع) فيها مكانة الأمّة قبل أن يصدع رسول الله (ص) فيها بالأمر، إذ كانت [على شفا حفرة من النار] وشفا الحفرة هو جانبها المشرف عليها، وبتعبيرنا: (حافّة الحفرة)، وكانت الأمّة على شفا حفرة من النار بسبب كفرها بالله تعالى واختلال النظام وانتشار الفوضى، [مُذقة الشّارب] والمُذقة - بضمّ الميم - هي الشربة من اللَّبن الممزوج بالماء، [ونُهزة الطامع] والنُهزة - بضمّ النون - هي الفرصة، [وقبسة العجلان] والقبسة هي الشعلة من النار، والعجلان هو الشخص العاجل - وبتعبيرنا: المُسْتَعْجِل -، والمراد أنّها كانت أمّة فاسدة ومفسدة، لا يحكمها قانون سماويّ ولا إنساني، رجالها تستعبد نساءها، وأغنياؤها تستعبد فقراءها، وأقوياؤها تستعبد ضعفاءها... وهكذا، ممّا أدّى إلى ضعفهم جميعاً فكانوا فرصة للطامع فيهم، ومحلاًّ لاستغلال الآخرين مقدّراتهم فهم كالشعلة التي يستغلّها الرجل المسرع في طريقه المظلم ليقضي بها حاجته في الخلاص من الظلام ثمّ يرميها أو يهملها إلى وقت حاجته، وبذلك كانوا أذلّة؛ لأنّهم كانوا تحت وطأة قدم المستكبر والطامع والمستغِل؛ ولأنّهم استسلموا لجبروت هؤلاء استشعروا الذلّة والمهانة في نفوسهم فقبلوا بها وخضعوا لها، ولذلّتهم ومهانتهم كانوا يشربون الطَرْق - وهو الماء الذي يتجمّع في المستنقعات والحفائر التي تدخلها الحيوانات وتبول فيها الإبل - وهو ماء قذر مستقذر، تمجُّه النفوس السليمة، وتأباه الطباع الكريمة، وكانوا يأكلون القِدَّ - وهو اللحم المجفّف بواسطة الشمس، وقيل: الجلد اليابس - وأوراق الأشجار، فكانوا [أذلّة خاسئين] والذليل هو المستضعف المهان، والخاسئ هو المنبوذ المطرود الذي لا يطمع أحد في الاقتراب منه لحقارته عنده، فهم أذلّة لضعفهم، وخاسئين؛ لأنّهم منبوذين من غيرهم، يعيشون بعيداً عن الناس وحضاراتهم وكأنّهم مطرودين من قِبَلهم، ولأنّهم كانوا كذلك كانوا يعيشون الخوف من الداخل والخارج، فالفقير يخاف الغني، والضعيف يخاف القويّ، والمرأة تخاف الرجل، ومن الخارج يخافون أن يتخطّفهم النّاس من حولهم، فلمّا شاء الله تعالى أن ينقذهم ممّا هم فيه، ويأخذ بأيديهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلام إلى النور بعث فيهم حبيبه محمّداً (ص) الذي جدّ واجتهد حتى جعلهم خير أمّة أخرجت للنّاس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله العظيم، يعيشون الأخوّة في الدين ويسودهم الحبّ والوئام، كلّهم سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحدهم على الآخر لا بمال ولا بجاه ولا بقوّة، وهكذا لا فضل لأبيضهم على أسودهم، ولا لحرّهم على عبدهم إلاّ بالتقوى، فالتقوى - التي كانوا يملكون كلّ شيء في السابق إلاّ هي - أصبحت هي ميزان التفاضل بينهم ومضمار التسابق لديهم، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات: 13)، وقال رسول الله (ص): "لا فضل للعربي على الأعجميّ، ولا للأحمر على الأسود إلاّ بالتقوى"[4].

 

وبهذا عاشت الأمّة الإسلاميّة في عهد الرسالة أحلى أيّام حياتها وكان المطلوب أن يستمر هذا الحال حتى ما بعد زمن الرسول (ص) وإلى يوم القيامة، فالرسول (ص) لم يُبعث لقومه فحسب، ولا لمجموعة من النّاس فقط، بل بُعث للنّاس كافّة، قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ)) (سبأ: 28)، وبالتالي يلزم أن تعمّ السعادة كلّ البشريّة وإلى يوم القيامة لا خصوص الذين عاشوا معه (ص)، وحتى يتحقّق ذلك يجب أن تصل معطيات الرسالة بصفائها ونقائها إلى بقيّة النّاس، فالدين الإسلامي وإن اكتمل في حياة النبي (ص) كما أخبر الله تعالى بقوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)) (المائدة: 3) إلاّ أنّ المشروع الرسالي لم يكتمل بعد، وحتى يكتمل المشروع الرسالي نحتاج إلى خليفة لرسول الله (ص) يقوم في الأمّة مقام رسول الله (ص)، وحتى يتمكّن الخليفة من القيام في الأمّة مقام الرسول (ص) يلزم أن يجسّد صفاته (ص)، ويسير في الناس بسيرته ويتّبع طريقته ومنهاجه، وحتى يتمكّن الخليفة من فعل كلّ ذلك يلزم أن يكون متربّياً في أحضان رسول الله (ص) أو أحضان مَن تربّى في أحضان رسول الله (ص)، بمعنى أن يشرف الرسول (ص) شخصيّاً على تربيته وتعليمه وتوجيهه أو يشرف عليه مَن تربّى في أحضان رسول الله وتخلّق بأخلاقه وسار بسيرته، ولهذا نحن نؤمن أنّ الدين لم يكتمل إلاّ بتنصيب عليّ بن أبي طالب (ع) يوم الغدير، وأنّ آية إكمال الدين لم تنزل إلاّ بعد أن بايعت الأمّة عليّاً (ع) في الغدير، باعتباره هو المؤهّل الوحيد في ذلك الوقت لأنْ يجسّد شخص النبي (ص) فهو الذي تربّى في حجره، ونهل من دينه وعلمه، وسار في النّاس بسيرته، يقول (ع): "وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْل،ٍ وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (ص) - مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً - أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاء،َ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ"[5].

 

 

أحوال الأمّة بعد رحيل رسول الله (ص):

 

ولكن - ويا للأسف - سرعان ما فارق النبي (ص) الأمّة، وسرعان ما خانت الأمّة عهدها وهجرت بيعتها فانتكست وعادت إلى جاهليّتها الأولى حين استولى على الخلافة غير أهلها، وهو يعلم أنّ محلّ عليّ (ع) منها محلّ القطب من الرحى، فانحرفت الخلافة عن أهلها وضلّت طريقها، ثمّ تتالت الانحرافات وتراكمت حتى ساد الفساد وعمّ الظلم ممّا أدّى إلى الثورة على الخليفة الثالث وقتله، وقد ألجأتهم الحاجة إلى العدل الاجتماعي إلى مبايعة أمير المؤمنين عليّ (ع) من جديد ولكنّهم سرعان ما خانوا البيعة الثانية، وحاولوا أن يمنعوه بالحروب عن الإصلاح، وفي هذا الشأن يقول أمير المؤمنين (ع): [إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ] ويقصد به الخليفة الثالث: عثمان بن عفّان [نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ] أي رافعاً لهما، والحضن ما بين الإبط والكشح، يُقال للمتكبر ومَن امتلأ بطنه طعاماً: (جاء نافجاً حضنيه)، والنثيل هو الروث وقذر الدواب، والمعتلف هو موضع العلف، والمعنى أنّ الخليفة الثالث كان همّه الأكل والرجيع [وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ] يعني بني أميّة [يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ] والخضم هو الأكل بكلّ الفمّ، وقيل الخضم هو أكل الشي‏ء الرطب، والمراد على التفسيرين لا يختلف، وهو أنّهم على قدم عظيمة من النّهم وشدّة الأكل وامتلاء الأفواه، والنِّبتة - بكسر النون - كالنبات [إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ] أي انتقض عليه [وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ] أي تمّم قتله [وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ] الكبوة هي السقوط على الوجه، يُقال: كبا الجواد إذا سقط على وجهه، والبِطنة - بكسر الباء - البَطر والأشر والتخمة، والمعنى هو أنّ إسرافه في الشبع هو الذي أسقطه على وجهه، بأن دعا النّاس إلى قتله [فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ] والعرف هو الشعر الذي يتكاثر على عنق الضبع [يَنْثَالُونَ] أي يتزاحمون [عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ] قد يكون المعنى أنّ الحسنين (ع) قد وطئا من شدّة الزحام بمعنى تأذيا منه، وقد يكون المعنى أنّه لشدّة الازدحام عليّ وطئت ابهاما قدميّ؛ لأنّ الإبهامين من محاسن الرجل [وَشُقَّ عِطْفَايَ] أي خُدش جانباي [مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ] أي كالغنم الجاثم على الأرض فلا يبارح مكانه [فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ] أي بالخلافة وأعبائها [نَكَثَتْ طَائِفَةٌ] أي نقضت عهدها، ويقصد بها أصحاب الجمل عامّة، وطلحة والزبير خاصّة [وَمَرَقَتْ] أي فسدت [أُخْرَى] ويريد بهم الخوارج، وهم أصحاب النهروان [وَقَسَطَ] أي جار [آخَرُونَ] ويريد بهم أصحاب صفّين [كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) (القصص: 83)، بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا] أي حفظوها [وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ] أي أعجبهم [زِبْرِجُهَا][6] أي زينتها، والمراد أنّ زينة الدنيا حليت في أعينهم وملكت قلوبهم فانكبّوا عليها غير مبالين ولا مهتمّين بما سمعوا ووعوا من كلام الله (عزّ وجلّ) ووعيده.

 

هذا ملخّص الحكاية من استشهاد الرسول الأعظم (ص) إلى خلافة الأمير بل وإلى استشهاده (ع)، فالظلم ألجأ الأمّة إلى مبايعة عليّ (ع)، وعَدْلُ عليّ أجبرهم على مقاطعته والانقلاب عليه، ولو أراد أن يجبرهم على الوفاء بالبيعة أو يقوّي سلطانه بمجاراتهم في مطالبهم الآثمة لفعل، ولكن هيهات وهو القائل: "يا أهل الكوفة أتروني لا أعلم ما يصلحكم؟ بلى، ولكنّي أكره أن أصلحكم بفساد نفسي"[7].

 

 

بداية العهد الحسني:

 

وبعد أن فارق الأمير (ع) الدنيا دارت الدائرة على الإمام المجتبى (ع)، فتولّى الخلافة في مناخ قلق غير مستقرّ، وفي ظروف التعقيد والصراع التي برزت وتأزّمت في أواخر حياة أبيه عليّ بن أبي طالب (ع) حيث بدأ حكمه مع جماهير لا تؤمن إيماناً واضحاً كاملاً برساليّة المعركة، ولا تتجاوب دينيّاً وإسلاميّاً مع متطلّبات هذه المعركة، وكانت قد توزّعت في تلك الفترة على أحزاب أربعة، وهي:

 

1)   الحزب الأموي: وهم آل آميّة وشيعتهم، وكان هذا الحزب يمتلك العناصر القويّة والنفوذ الكبير والأتباع الكثيرة، وهؤلاء كلّهم عملوا على نصرة معاوية في أوساط شيعة الحسن (ع)، وكانوا بمثابة جواسيس وعيون على تحرّكات الإمام الحسن (ع).

 

2)   حزب الخوارج: وهم الذين خرجوا على حكم علي بن أبي طالب (ع)، وقد كانوا أكثر أهل الكوفة لجاجة على الحرب.

 

3)   حزب الشكّاكين: وهم الذين تأثّروا بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم، فهم المذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويغلب على طبعهم الانهزام.

 

4)   حزب الحمراء: وهم شرطة زياد وكان طابعهم أنّهم جنود المنتصر وسيوف المتغلّب، وقد بلغ من استفحال أمرهم أن نسبت الكوفة إليهم، فقيل: (كوفة الحمراء)!

 

وفي قبال هؤلاء جميعاً كان أتباع الإمام الحسن (ع) وشيعته الذين هرعوا إلى مبايعته بكلّ إخلاص بعد وفاة أبيه أمير المؤمنين (ع) مباشرة.

 

أضف إلى ذلك أنّ الإمام عليّاً (ع) في آخر حياته كان يجهّز الجيش لقتال معاوية إلاّ أنّ المنيّة عاجلته، والإمام الحسن منذ أن تسلّم الحكم بعد استشهاد أبيه مباشرة بدأ من النقطة التي انتهى عندها أبوه (ع) فغدا كأبيه يجهّز الجيوش لقتال معاوية، وهذا ما قوّى موجة الشكّ في رساليّة المعركة التي يخوضها الإمام الحسن (ع) مع معاوية في قلوب المشكّكين والخوارج الذين ما عرفوا جوهر الإسلام حتى أنّ الإيحاء كان لديهم قويّاً بأنّ المعركة هي معركة بيت مع بيت، أمويين مع هاشميين، وهي بالتالي ليست معركة رساليّة تستحقّ أن تسفك فيها الدماء وتزهق فيها الأرواح.

 

كلّ هذه الأسباب والملابسات وغيرها عقّدت موقف الإمام الحسن (ع) من مسألة الحكم وبات أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما:

 

الخيار الأوّل: أن يصنع كمعاوية فيغري الزعامات وأصحاب النفوذ كذباً بإعطائهم الأموال ووعدهم بالمناصب لاستمالتهم إلى جانبه بدعوى أنّ الحرب خدعة، وهذا الخيار اقترحه (عبيدالله بن العبّاس) - والي الإمام علي (ع) على البصرة - على الإمام ولكنّ الإمام (ع) رفضه بشدّة وأبى إلاّ أن يلزم الحقّ شرعة ومنهاجاً.

 

الخيار الثاني: أن لا يصنع كمعاوية فلا يغري أحداً بالباطل، ولا يعد أحداً كذباً بالمناصب، ولا ينتقي ذوي الضمائر الميّتة والقلوب السوداء، وهذا ما اختاره، ولذا استطاع معاوية أن يجمع من النّاس أضعاف ما جمعه الإمام المجتبى (ع)، ونحن لا يهمّنا عدد جيش الإمام (ع) بمقدار ما تهمّنا نفسيّة هذا الجيش، فقد قسّم المؤرّخون جيش الإمام إلى خمسة أقسام، وهي:

 

1)   الشيعة المخلصون: الذين اتّبعوه لأداء واجبهم الديني وانجاز مهمّتهم الإنسانيّة وهم قلّة.

 

2)   الخوارج: وهؤلاء كانوا يريدون قتل الإمام الحسن (ع) ومعاوية بن أبي سفيان؛ لأنّهما يمثّلان خطراً على دينهم ووجودهم، وكانوا يرون معاوية أخطر عليهم من الإمام المجتبى (ع)؛ لأنّ الإمام (ع) يمتلك مبادئ وقيماً فلا يغدر ولا يفجر، ولا يأخذهم بالمكر والخديعة بخلاف معاوية الذي لا يمتلك قيماً ولا مبادئ، وما دامت الحرب ستقع بين الإمام (ع) ومعاوية قرّروا أن يقاتلوا معاوية مع الإمام الحسن (ع)، وكان في مخطّطهم إذا قتلوا معاوية مالوا على الإمام وقتلوه، ولهذا تجدهم يوم يئسوا من قتل معاوية مالوا على الإمام (ع) وطعنوه بخنجر في فخذه ونهبوا رحله وفرّوا هاربين.

 

3)   أصحاب الفتن والمطامع: الذين يبتغون من الحرب مغنماً لدنياهم.

 

4)   الشكّاكون: الذين يزعمون أنّهم لا يعرفون مع مَن يكون الحق، أهو مع الحسن (ع) أم مع معاوية؟

 

5)   أصحاب العصبيّة: الذين اتّبعوا رؤساء القبائل على استنفارهم لهم على حساب القبليّة والنوازع الشخصيّة.

 

 

بين العزّة والذلّة:

 

ونحن إذا تأمّلنا في هذه الظروف جيّداً عرفنا أنّ الحكمة:

 

ــ   لا تقتضي أن يقاتل الإمام ُ (ع) معاويةَ بهذا الجيش المفكّك؛ لأنّ العناصر الخمسة التي كوّنت جيش الإمام الحسن (ع) لا تفي لإنجاز المهمّة التي تجمّعوا من أجلها، حيث أنّ الحرب تريد: الإيمان برسالتها وهدفها، والوحدة والتعاون بين رجالها، والطاعة المطلقة لقيادتها الحكيمة، وهذه الأمور الثلاثة مفقودة أو تكاد.

 

ولو كان الإمام (ع) يقاتل معاوية بهذا الجيش لكانت الهزيمة حتميّة، وكانت المعركة معركة يائسة بائسة يستشهد فيها هو وأتباعه المخلصين، وتكون في نظر الكثير من المسلمين - الذين ما عرفوا الإمام (ع) بنسبة كافية - بمستوى المعركة التي خاضها (عبدالله بن الزبير)، فيُقتل هو ومَن معه دون أن يحقّق مكسباً حقيقيّاً للإسلام أو يقدّم زخماً جديداً للعمل.

 

ــ   ولا تقتضي أن يستسلم الإمام (ع) لمعاوية؛ لأنّ الاستسلام ذلّ وإهانة، وينمّ عن ضعف في النفس.

 

بل الحكمة تقتضي أن يترك الإمام (ع) الحرب مع معاوية دون أن يستسلم له، حتى يحافظ على هيبته ومكانته عند خصمه، ويبقى في موطن قوّة وعزّة أمام النّاس، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ الصلح:

 

ــ   فالصلح يجنّبه القتال أوّلاً حتى يحفظ نفسه وأهل بيته وأصحابه وشيعته من القتل.

 

ــ   ويجعله يفرض شروطه ثانياً؛ لأنّ الذي يفرض شروطه - ولو في نظر العرف - هو الطرف الأقوى، ولهذا أنت تجد الحكومات حينما تريد أن تتحاور في شؤونها الداخليّة مع المعارضة مثلاً أو تتفاوض في شؤونها الخارجيّة مع حكومة أخرى فإنّها ترفض أن يُفرض عليها شروط مسبقة لما تلمسه من ذلّ وإهانة في ذلك، وتدعو إلى حوار وتفاوض من دون شروط.

 

ــ   ويعطي النّاس فرصة لأنْ تجرّب حكم معاوية ثالثاً، وتتجرّع شيئاً من ظلمه وجوره فتندم على كلّ لحظة فرّطت فيها في مجاهدة معاوية أو شكّكت فيها في نزاهة أهل البيت (ع) فتتهيّأ نفوسها للثورة عليه وعلى حكم بني أميّة من جديد.

 

ــ   ويعطي معاوية فرصة لأنْ يفضح نفسه رابعاً فيسقط من عيون النّاس، فمعاوية - داهية الشرّ - كان يضفي على نفسه أمام العامّة مسحة دينيّة؛ ليموّه على النّاس أعماله وأفعاله ما دام يحكمهم باسم الدين، فهو لا يرتكب من الأعمال أمامهم ما يرونهم تحدّياً للدين، وإنّما كان يظهر لهم سلوكَ المحافظ على تعاليم الدين، وما لا سبيل إليه إلاّ ارتكابه كان يرتكبه سرّاً، وقد أظهره هذا السّلوك المحافظ عند العامّة بمظهر ديني لما يظهر من سلوكه أمامهم فغدوا - وإلى الآن - لا يذكرونه إلاّ بالترضّي وأوسمة الشّرف فأطلقوا عليه (كاتب الوحي) و (خال المؤمنين) على الرغم من وجود الكثير من الروايات التاريخيّة التي تؤكّد إلحاد هذا الرجل حتّى قال فيه (المغيرة بن شعبة) بأنّه أخبث النّاس وأكفرها.

 

ونحن نلاحظ في هذا الزمان مَن يدافع عن يزيد ويحمّل الإمام الحسين (ع) الخطأ في ثورته عليه مع أنّ يزيد معلنٌ بالفسق والفجور، وهو لا يضفي على نفسه مسحة دينيّة، فكيف سيكون الأمر لو كان الإمام الحسن (ع) يثور على معاوية وهو المحافظ عندهم على الدين بل وكاتب وحيه وخال جميع المؤمنين؟!

 

إذن الحكمة بلا شكّ ولا ريب كانت تقتضي أن يصالح الإمام (ع) معاوية لا أن يحاربه أو يستسلم له، ولو كان الإمام الحسين (ع) أو أيّ إمام أو حكيم غيره مكان الإمام الحسن (ع) للزم أن يصالح معاوية، وبهذا يتّضح معنى الشقّ الأوّل من جواب الإمام الحسين (ع) لجابر بن عبدالله (رض) بأنّ الإمام الحسن إنّما فعل ما فعل بأمر الله تعالى ورسوله (ص)، وبالتالي لو كان هو (ع) مكانه لفعل فعله وصالح معاوية.

 

 

شروط الصلح وبداية الخيانة:

 

فالإمام الحسن (ع) صالح معاوية؛ لأنّ الحكمة كانت تقتضي أن يصالحه فصالحه وفرض عليه مجموعة من الشروط، منها:

 

1)   أن يعمل معاوية بكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه محمّد (ص) وسيرة الخلفاء الصالحين.

 

2)   أن يكون الأمر من بعد معاوية إلى الإمام الحسن (ع)، فإن حدث به حادث فلأخيه الحسين (ع)، وليس لمعاوية أن يعهد بعده لأحد.

 

3)   أن يترك سبّ أمير المؤمنين (ع) والدعاء عليه في قنوت الصّلاة، وأن لا يذكره إلاّ بخير.

 

4)   أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين (ع) ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة، لا سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق.

 

5)   أن يكون النّاس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى: في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يُؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة.

 

6)   أن يكون أصحاب أمير المؤمنين (ع) وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، فلا ينالهم مكروه من جهته.

 

وبهذا حقّق الإمام (ع) الأمر الأوّل والثاني، فترك الحرب من موطن عزّة وقوّة؛ لأنّه هو الذي فرض شروطه على الخصم لا العكس، ثمّ حكم معاوية المسلمين وحقّق هدفي الإمام (ع) الثالث والرابع، فهو من جانب فضح نفسه إذا أظهر خبث سريرته للنّاس حينما صعد المنبر في النخيلة وقال: "إنّي واللهِ ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدميّ لا أفي بشيء منها له"[8]، وهو بهذا يعلن للناس أنّ الهدف - كلّ الهدف - من حربه عليهم ليس هو إقامة الدين وأحكامه وإنّما سَفَك دماءهم ويتّم أبناءهم ورمّل نساءهم من أجل أن يكون هو الحاكم عليهم، هو الآمر وهو الناهي لا أكثر، كما أعلن لهم عن مخالفته الصريحة لأحكام الله تعالى وقوانينه حين أعلن لهم خُلْفَه للعهد الذي قطعه على نفسه، والله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)) (المائدة: 1)، ويقول: ((وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)) (الإسراء: 34)، وأوّل شروط الصلح هو (أن يحكم معاوية بكتاب الله وسنة نبيه (ص) وسيرة الخلفاء الصالحين)، وهذا يعني أن كتاب الله تعالى تحت قدم معاوية، وسنة النبي الأكرم (ص) تحت قدم معاوية، وسيرة الخلفاء الصالحين تحت قدم معاوية، وهو إعلان حرب صريح على الدين وقيمة، إعلان حرب على الصلاح والمصلحين.

 

 

معاناة الشيعة:

 

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: [روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب (الأحداث)، قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: "أن برئتْ الذّمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته"، فقامتْ الخطباء في كلّ كُورة، وعلى كلّ منبر، يلعنون عليّاً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ النّاس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة؛ لكثرة مَن بها من شيعة علي (ع)، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيّام علي (ع)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطّع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم][9].

 

ويقول: [وشفّع ذلك بنسخة أخرى: "مَن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره"، فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه في العراق ولاسيّما الكوفة، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ (ع) ليأتيه مَن يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه] إلى أن يقول: [فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي (ع) فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض][10].

 

وأكّد هذا المعنى جملة من المؤرخين منهم: ابن حجر في (لسان الميزان) وابن الأثير في (الكامل في التاريخ) والذّهبي في (سير أعلام النبلاء).. وغيرهم، كما تؤكّدها روايات أهل البيت (ع) فقد ورد عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال في حديثه عن مظلوميّة أهل البيت (ع) وشيعتهم: "ثمّ لم نزل - أهل البيت - نُسْتَذَلُّ ونُستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضِعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله؛ ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظْمُ ذلك وكُبره زمن معاوية بعد موت الحسن (ع)، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة وقطّعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان مَن يُذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجِن أو نُهِبَ ماله أو هُدِمتْ داره، ثمَّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين (ع)"[11].

 

وبهذا بدأت العقول تصحو شيئاً فشيئاً حتى جاء العراقيّون إلى الإمام الحسن (ع) يطلبون منه أن يثور من جديد على معاوية ولكنّه رفض؛ لأنّه (ع) كان يريد أن يهيّأهم للمستقبل وللثورة الكبرى ولا زالوا يوم ذاك دون المستوى المطلوب من الوعي بالثورة.

 

ولمّا قضى الحسن (ع) نحبه أكمل الإمام الحسين (ع) مشواره، وغدا يهيّأ المجتمع للثورة الكبرى على الظلم وأنظمته ويعبّأهم لها بدل أن يحملهم على القيام بها ما داموا لم يبلغوا المستوى المطلوب بعد، وقد كتب الإمام الحسين (ع) إلى أهل العراق عندما طلبوا منه أن يجيبهم إلى الثورة على معاوية: "الصقوا رحمكم الله بالأرض واكمنوا في البيوت واحترسوا من الظنّة ما دام معاوية حيّاً"[12]؛ وذلك لأنّ الأمّة الإسلاميّة لم تكن قد بلغت المستوى المطلوب من الوعي بالثورة بعد.

 

فلمّا اختلفت الظروف، وتهيّأت النفوس لقبول الثورة على النظام الأمويّ الجائر نهض الحسين (ع) بثورته المباركة، ولو كان الإمام الحسن (ع) موجوداً في ذلك الوقت لكان هو قائد الثورة المباركة ولكنّ الموت ما أمهله (سلام الله عليه)، وهذا هو معنى الشقّ الثاني من جواب الإمام الحسين (ع) لجابر بن عبدالله (رض) حين قال له: "وأنا أيضاً أفعل بأمر الله ورسوله"، وعليه فلو كان الإمام المجتبى (ع) مكان الإمام الحسين (ع) لفعل فعله وصنع صنيعه وثار على يزيد ولم يصالحه.

 

 

مقارنة بين ظروف الإمامين (ع)[13]:

 

ويمكننا أن نقرّب المعنى من خلال المقارنة بين ظروف الإمامين الحسنين (ع)، فنقول:

 

أوّلاً: إنّ الأمّة الإسلاميّة في عهد الإمام الحسن (ع) كانت تعيش حالة نفسيّة سيّئة للغاية، وظروفاً اجتماعيّة قاسية، فقد عاشت خمسة أعوام من عمرها - وهي مدّة حكم أمير المؤمنين (ع) - في حروب وحروب، حيث أُشْغِل أمير المؤمنين (ع) بالحروب، فهي لا تضع سيوفها من حرب إلاّ لتشهرها في حربٍ أخرى، وكانوا لا يحاربون الجماعات الغريبة عن الإسلام وإنّما يحاربون عشائرهم وإخوانهم بالأمس، ومَن عرفهم وعرفوه ممّا ولّد لديهم حنيناً إلى السلم والراحة خصوصاً مع الشعارات التي كان يطرحها معاوية وحملات الدعاية التي أطلقها أعوانه ويمنّون النّاس فيها بالرخاء والأعطيات الضخمة والدعة والراحة والسكينة، فكان وضعهم النفسي والاجتماعي لا يسمح لهم بخوض حرب جديدة، ولهذا نجد الإمام الحسين (ع) - صاحب الثورة الجبّارة على يزيد - لم ينهض بالثورة على معاوية - لأنّه كأخيه المجتبى (ع) - وجد أنّ الوضع النفسي والاجتماعي للأمّة لم يكن يسمح بخوض حرب جديدة، فآثر الصبر ما يقرب من عشر سنين، أعني من صلح المجتبى (ع) مع معاوية إلى هلاك معاوية، عشر سنين ارتاحت فيها الأمّة من الحروب والقتال، ولاشكّ أنّ الحالة النفسيّة والوضع الاجتماعي للأمّة كانا مختلفين تماماً، فالحروب المتواصلة تضعف الإنسان وعزيمته بينما الحروب المتقطّعة تقوّي عزيمة الإنسان، والأولى كانت في عهد الإمام المجتبى (ع) والثانية كانت في عهد الإمام الشهيد (ع)، ولا يخفى أنّ صلح الحسن (ع) هو الذي أوجد هذه الراحة لتتوفّر للحسين (ع) فرصة الثورة على يزيد.

 

ثانياً: عندما أقبل الإمام الحسن (ع) إلى هذه الأمّة لم تكن الأمّة بعد قد جرّبت الحكم الأموي على يد معاوية فلم تعش حكمه الجائر لتتعرّف عن قرب على حقيقته القائمة على الاضطهاد والحرمان والمطاردة المستمرّة وخنق الحرّيات وقتل أنصار علي (ع) ومحبّيه وشيعته بالتهمة والظنّة، ولم تتعرّف على زيف شعارات معاوية وحملات أعوانه الدعائيّة، فكانوا يثقون بمعاوية ويطلقون عليه ألقاباً بقي بعضها إلى اليوم من قبيل (كاتب الوحي) و (خال المؤمنين) وما شاكل ذلك، بينما قام الإمام الحسين (ع) بالثورة بعد أن جرّبت الأمّة حكم معاويّة وعاشت بطشه وقسوته وعرفت ظلمه وحقيقته ممّا ولّد عندها الإحساس بالذنب في ترك الجهاد ضدّه، وهذا ما نلمسه من الكتب التي وردتْ على الإمام الحسين (ع) - بعد استشهاد أخيه الحسن (ع) - تدعوه إلى الثورة على معاوية وأنّها نادمة على ترك الجهاد ضدّه وتستغفر الله من ذنبها ذاك، ولاشكّ أنّ الحالة تختلف بين مَن لديه رغبة في ترك الجهاد ومَن لديه رغبة في الجهاد نفسه بل ولديه إحساس بالذنب لتركه الجهاد، والحالة الأولى كانت في عهد الإمام المجتبى (ع) والثانية كانت في عهد الإمام الشهيد (ع)، ولا يخفى أنّ صلح الحسن (ع) هو الذي أوجد هذه التجربة لتتوفّر للحسين (ع) فرصة الثورة على يزيد.

 

ثالثاً: الإمام الحسن (ع) ابتلى بشخصيّة معاويّة الداهية الذي قال فيه علي (ع): "والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر"[14]، فهو داهية في الشّر، فمع أنّه غادر في السلم وفاجر في الحرب وليست هناك حدود لغدره وفجوره إلاّ أنّه استطاع أن يضفي على نفسه أمام العامّة مسحة دينيّة؛ ليموّه على النّاس أعماله وأفعاله ما دام يحكمهم باسم الدين، فهو لا يرتكب من الأعمال أمامهم ما يرونه تحدّياً للدين، وإنّما عليه أن يظهر بسلوك المحافظ على الدين وتعاليمه وما لا سبيل إليه إلاّ ارتكابه كان يفعله سرّاً، وهذا السلوك المحافظ قد أظهره عند العامّة بمظهر ديني فغدوا - وإلى الآن - يترضّون عليه، ويطلقون عليه الألقاب المشرّفة، بل غدوا يبرّرون له أفعاله وتصرّفاته تارة بأنّه (مجتهد وقد أخطأ فله أجر)، وأخرى بأنّه (رجل سياسة، ويجوز للسياسي ما لا يجوز لغيره!) وغير ذلك من التبريرات الواهية، بينما ابتلى الإمام الحسين (ع) بشخصيّة يزيد الضعيفة الهزيلة، الذي لا يفقه من الإسلام إلاّ اسمه ولا من العقل إلاّ وهمه، فلم يكن ليحتاج والحال هذه إلى غطاء شرعي أو مسحة دينيّة كأبيه ففسد وأفسد، وأسرف في المعاصي، وفرق كبير بين معاوية ودهائه ويزيد وغبائه، والأوّل كان في عهد الإمام الحسن المجتبى (ع) والثاني كان في عهد الحسين الشهيد (ع).

 

فهذه بعض الظروف التي دعت الإمام الحسن (ع) إلى مصالحة معاوية وهي لا تتناسب مع ظروف الإمام الحسين (ع) ليصالح يزيد بن معاوية، وهذه بعض الظروف التي دعت الإمام الحسين (ع) إلى الثورة على يزيد وهي لا تتناسب مع ظروف الإمام المجتبى (ع) ليثور على معاوية، فظروفهما (ع) إن لم تصل إلى حدّ التناقض فلا أقل من أنّها وصلت إلى حدّ التضاد، وعليه فإنّ الحكمة في عهد الإمام الحسن (ع) كانت تقتضي الصلح، وأنّها في عهد الإمام الحسين (ع) كانت تقتضي الثورة، وكلّ منهما (ع) عمل بما تقتضيه الحكمة في زمانه، وبالتالي لو كان الحسن (ع) مكان الحسين (ع) لفعل فعله، ولو كان الحسين (ع) مكان الحسن (ع) لفعل فعله.

 

 

مثال من الواقع يقرّب الفكرة:

 

ويمكن أن نوضح حال الإمامين (ع) في الصلح والثورة بهذا المثال:

 

تصوّر أنّ هناك مريضاً مصاباً في قلبه، هذا المريض راجع طبيباً متخصّصاً في أمراض القلب، فشخّص الطبيب حالته وقال لابدّ له - من أجل أن يتشافى ويتعافى - من عمليّة جراحيّة، وقد نوى الطبيب القيام بالعمليّة الجراحيّة إلاّ أنّه وجد أنّ هذا المريض لا يتحمّل العمليّة لارتفاع أو انخفاض في نبض قلبه أو ضغط دمه أو سكّره أو ما شاكل ذلك، فبدأ بمعالجته بالأدوية والعقاقير التي تعيد الأمور إلى نصابها، فيرجع نبض القلب إلى نصابه، وضغط الدم إلى نصابه، والسكّر إلى نصابه... وهكذا، على أمل أن تتهيّأ له الأمور ويجري العمليّة للمريض، ولكنّ الموت عاجل الطبيب فمات، فجيء للمريض بطبيب متخصّص ثانٍ ليباشر علاجه، هذا الطبيب الثاني ملزوم أن يبدأ علاج المريض من النقطة التي انتهى عندها الطبيب الأوّل الذي مات، فيواصل علاج المريض بالأدوية والعقاقير إلى أن يتهيّأ للعمليّة الجراحيّة، فإن تهيّأ أجرى له العمليّة وإن لم يتهيّأ يصبر عليه، فإذا مات الطبيب الثاني يؤتى للمريض بطبيب متخصّص ثالث، وهذا الطبيب يفعل كما فعل الطبيب الثاني، وهكذا إذا مات الطبيب الثالث يؤتى للمريض بطبيب رابع... إلى أن يتهيّأ جسمه للعمليّة ويقوم الطبيب المختصّ المشرف على علاجه بالعمليّة الجراحيّة.

 

وعليه لو فرضنا أنّ الأدلّة التي قامت عندنا تثبت أنّ الأطباء الذين أشرفوا على علاج المريض كلهم في مستوى واحد من العلم والكفاءة، فهل يكون الطبيب الذي أجرى العمليّة أفضل من الأطباء الذين هم مثله في العلم والكفاءة ولكن عاجلهم الموت وما أمهلهم إلى أن يتهيّأ المريض للعمليّة فيجروها له؟

 

والجواب واضح، لا فضل للطبيب الذي أجرى العمليّة على الأطباء الذين سبقوه؛ لأنّ الموت لو أمهلهم إلى أن يتهيّأ المريض للعمليّة لأجروها له ولكنّ الموت ما أمهلهم، وهذا هو حال الإمام الحسين (ع) مع أخيه الإمام الحسن (ع)، فالإمام الحسن (ع) حينما وَلِي هذه الأمّة شخّص حالتها فوجدها مريضة، مصابة في قلبها، لا تفرّق بين الحقّ المتمثّل في آل نبيها والباطل المتمثّل في أعدائهم من بني أميّة، لم تفرّق بين عليّ (ع) الذي هو (الإيمان كلّه) بشهادة النبي (ص) يوم الخندق، عليّ.. الذي لا يفارق القرآن ولا القرآن يفارقه، عليّ.. الذي لا يفارق الحقّ ولا الحقّ يفارقه، لم تفرّق بينه (ع) وبين الطليق ابن الطليق معاوية بن أبي سفيان.

 

فلمّا شخّص الإمام (ع) حالتها، عرف أنّها لا تتشافى إلاّ بعمليّة جراحيّة وهي الثورة المسلّحة على نظام بني أميّة، ولكن وجد نبض الأمّة وضغط دمها وسكّرها في ارتفاع وهبوط فأراد أن يهيّأ جسمها للعمليّة، وحتى لا يشكل عليه أحد أو يقول فيه بخلاف الواقع أدخل المريض غرفة العمليّات ولكنّ جسد المريض اضطرب حتى ظهر ضعفه للقاصي والداني، وأنّه لا يتحمّل العمليّة في هذا الوقت، أعني أنّ الإمام (ع) أرسل جيوشه لقتال معاوية للقيام بالثورة التي هي العمليّة إلاّ أنّ الجيوش خانته وانقلبت عليه وهذا هو الضعف الذي ظهر في جسد الأمّة وبان أنّها لا تتحمّل الثورة في هذا الوقت لعدم ادراكها بحقيقة الأمور، فعالجها الإمام (ع) بالأدوية والعقاقير وهي الصلح وما ترتّب عليه من حكم معاوية وظلمه وجوره، حتى تتهيّأ الأمّة للعمليّة أي الثورة وذلك عندما تدرك خطأها في تقاعسها عن الثورة، وصبر الإمام المجتبى (ع) وهو يأمل أن يتهيّأ جسد الأمّة للعمليّة حتى يقوم بالعمليّة الجراحيّة بنفسه بمعنى أن تتهيّأ الأمّة للثورة حتى يقود الثورة، ولكنّ الموت عاجله فمات سلام الله عليه، فجاء الطبيب المختصّ الثاني وهو الإمام الحسين (ع)، ولما جاء إلى الأمّة المريضة لم يأخذها مباشرة إلى غرفة العمليّات وهي أرض كربلاء وإنّما صبر عليها عشر سنين إلى أن بدأ جسم الأمّة يتقبّل العمليّة، وعندما أصبح جسد الأمّة جاهزاً يقوى على العمليّة نهض الإمام بالثورة وأقام العمليّة في أرض كربلاء، ومنه نعرف أنّ الإمام الحسين (ع) لو كان محلّ الإمام الحسن (ع) لفعل فعله، ولو كان الإمام الحسن (ع) محلّ الحسين (ع) لفعل فعله، وبالتالي لا فضل للإمام الحسين (ع) على أخيه الإمام الحسن (ع)، فلو كان الإمام الحسن (ع) موجوداً إلى الوقت الذي تهيّأت فيه الأمّة للثورة لقاد الثورة بنفسه ولأجرى العمليّة بيديه المباركتين، ولكنّ الموت ما أمهله فجاء الحسين (ع) وأكمل ما بدأه الحسن (ع)، ولو فرضنا أنّ الموت ما أمهل الإمام الحسين (ع) للقيام بالثورة ومات قبل ذلك لجاء الإمام زين العابدين (ع) وأكمل المشوار ونهض بالثورة... وهكذا، فهذه الثورة لابدّ منها ما دام قد حكم يزيد بن معاوية، يقول الإمام الحسين (ع): "وعلى الإسلام السّلام إذ قد بُليت الأمّة براعٍ مثل يزيد"[15]، فلابدّ من هذه العمليّة الجراحيّة التي يتعافى من خلالها جسد الأمّة الإسلاميّة، وهذا ما كسبناه من ثورة الحسين (ع)، وما كانت ثورة الحسين (ع) لتنجح وتعطي ثمارها لولا صلح الإمام الحسن (ع) الذي هيّأ الأسباب للثورة، وصدق الشِّعار العزيز الذي يقول: (لولا صلح الحسن لما نجحت ثورة الحسين).. والحمد لله ربّ العالمين.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1]   فقد نقل الخزاز القمّي في متن كتابه (كفاية الأثر: ص117) عن رسول الله (ص) أنّه قال: "علي مع الحقّ والحقّ معه، وهو الإمام والخليفة بعدي، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وابناه الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمّة إمامان إن قاما أو قعدا"، وعلّق عليه في الحاشية رقم (4) بقوله: [ليس (إن) في م، ن، ط]، ونقل أبو حنيفة عنه (ص) في كتابه (دعائم الإسلام، لأبي حنيفة: ج1، ص37) أنّه قال: "الحسن والحسين إماما حقٍّ قاما أو قعدا".

[2]   مدينة المعاجز، للبحراني: ج2، (44- إستشهاده (ع) رسول الله (ص) حين أراد عذل الحسين عن الخروج إلى العراق، ص283.. ونقلها القمّي عن (مدينة المعاجز) في [نفس المهموم في مصيبة سيّدنا الحسين المظلوم (ع)]: في الباب الثاني: في ذكر ما جرى على الحسين (ع) بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته (ع)، الفصل الرابع، ص72.

[3]   فاطمة الزهراء (ع) من المهد إلى اللّحد، للقزويني: ص276.

[4]   مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، للنوري: ج12، كتاب الجهاد، (75- باب كراهة الافتخار)، ح [13598/6]، ص89.

[5]   شرح نهج البلاغة، للمعتزلي: م7، ج13، 238- ومن خطبة له (ع) في ذمّ الكبر، وتسمّى بـ (القاصِعة)، ص136.

[6]   نهج البلاغة: الخطبة الثالثة والمعروفة بالخطبة الشقشقيّة.

[7]   بحار الأنوار، للمجلسي: ج41، باب جوامع مكارم أخلاقه وآدابه وسننه وعدله وحسن سياسته صلوات الله عليه، ح18، ص72.

[8]   الإرشاد، للمفيد: ج2، باب: [ذكر الإمام بعد أمير المؤمنين (ع)...]، خذلان القوم للإمام الحسن (ع) في الحرب، ص14.

[9]   شرح نهج البلاغة، للمعتزلي: م6، ج11، في شرح الخطبة: [203- ومن كلام له (ع) وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعمّا في أيدي الناس من اختلاف الخبر]، تحت عنوان: [آل البيت (ع) وبعض ما نالهم من الأذى]، ص32.

[10]   نفس المصدر: ص33.

[11]   نفس المصدر: ص31.

[12]   الأخبار الطِوال، للدّينوري: تحت عنوان: [الصلح بين الحسن ومعاوية]، ص224.

[13]   هذه الفقرة مستوحاة من كتاب: [ثورة الحسين (ع): ظروفها الإجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة، لشمس الدين]، وقد اقتبست منه بتصرف كبير.

[14]   شرح نهج البلاغة، للمعتزلي: م5، ج10، [193- ومن كلام له (ع) في شأن معاوية]، ص357.

[15]   نفس المهموم، للقمّي: الباب الثاني: في ذكر ما جرى على الحسين (ع) بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته (ع)، الفصل الثالث، ص66.