كتب عليكم الصيام

bhothأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

ونحن نعيش في أجواء استقبال شهر رمضان المبارك، شهر الطاعة والمغفرة، شهر الرحمة والفضيلة، نودّ أن نتأمّل في قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة: 183)؛ لنتعرّف على الصيام وأهميّته والفائدة التي يمكن أن نجنيها من أدائه؛ ليكون صيامنا عن وعي ومعرفة لا مجردّ تقليد ومحاكاة للآخرين.

 

 

الخطابات الإلهيّة عامّة وخاصّة:

 

حينما نرجع إلى الخطابات الإلهيّة في القرآن الكريم فإنّنا نجدها على قسمين:

 

الأوّل - خطابات عامّة: تشمل جميع البشر ولا تختصّ بطائفة دون أخرى أو فئة دون أخرى، وهي الخطابات التي تبدأ بقول الله تعالى: (يا أيّها النّاس) من قبيل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة: 21)، وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى)) (الحجرات: 13)... وغيرها.

 

الثاني - خطابات خاصّة: وهي التي تختصّ بالمؤمنين دون سواهم من الناس، وهي الخطابات التي تبدأ بقول الله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا) من قبيل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) (البقرة: 178)، وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))... وغيرها.

 

ويرى كثير من المفسّرين أنّ الخطابات العامّة وهي الآيات التي تبدأ بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) آيات مكيّة قد نزلت بمكّة المكرّمة قبل الهجرة، وأنّ الخطابات الخاصّة وهي الآيات التي تبدأ بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)) آيات مدنيّة، والمراد من أنّها مدنيّة أنّها نزلت بعد الهجرة النبويّة الشريفة إلى المدينة المنوّرة سواء كان نزولها في أرض المدينة أو في خارجها، فالخطابات الإلهيّة - بعد الهجرة - خطابات خاصّة بالمؤمنين على ما يذهب إليه هذا القسم من المفسِّرين.

 

ولا يُفهم من قولنا بأنّ هذا النوع من الخطاب مختصّ بالمؤمنين أنّ التكليف الوارد فيه خاصّ بهم دون غيرهم من الناس، فمثلاً: لا يفهم من قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) أنّ الصيام واجب على المؤمنين دون غيرهم من الناس وأنّ غير المؤمنين لا يجب عليهم الصيام؛ باعتبار أنّ الله تعالى قد خصّ المؤمنين بهذا الخطاب.

 

نعم.. هناك نقاش بين العلماء في الكافر، هل هو مكلّف بالفروع - من صلاة وصوم وحجّ وغير ذلك - أو غير مكلّف؟

 

وقد ذهب الأكثر إلى أنّ الكافر مكلّف بالفروع؛ باعتبار أنّ الخطاب الإلهي بالعبادة جاء في القرآن مطلقاً شاملاً الجميع من البشر ولم يستثنِ الكافر منهم، قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) (الذاريات: 56) فيكون الكافر مشمولاً بالخطاب.

 

وذهب البعض الآخر إلى أنّ الكافر ليس مكلّفاً بالفروع، وحتى هذا القسم من العلماء لم يحتجّ لمقولته هذه بأنّ الخطاب الإلهي بالفروع قد ورد مختصّاً بالمؤمنين، فمثلاً لم يحتجّ أحد منهم في عدم وجوب الصوم على الكافر - حسب رأيهم - بأنّ آية الصوم قد خصّت المؤمنين بالحكم، فقالت: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، فيُفهم منها حينئذ أنّ وجوب الصيام مختصّ بالمؤمنين؛ لأنّ الخطاب موجّه إليهم، فهم لا يفهمون ذلك من هذا التخصيص بل يفهونه من قرائن أخرى، من قبيل (التكليف بما لا يطاق قبيح)؛ وقد قال تعالى: ((لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)) (البقرة: 286)، وفي آية أخرى ((إِلاَّ مَا آتَاهَا)) (الطلاق: 7)، فالكافر لا يؤمن بوجود الله تعالى من الأساس فكيف نلزمه بالصّلاة والصوم والحجّ والخمس وغير ذلك؟ نعم، إذا آمن بالأصول يُخاطب بالفروع وإلاّ فلا.. حسبما يذهبون إليه.

 

 

فوائد الخطابات الخاصّة:

 

وعليه يمكننا أن نتساءل: إذا كان تخصيص الخطاب بالمؤمنين لا يعني عدم شمول غيرهم في الخطاب، إذن ما فائدة هذا التخصيص؟

 

في الواقع هناك أكثر من فائدة لهذا التخصيص، منها:

 

الفائدة الأولى: هي بيان أنّ هذه الفرقة - أعني المؤمنين - دون سواها من الناس هي الفرقة التي تسمع كلام الله تعالى وتمتثل أوامره وتستجيب لمراده دون نقاش أو اعتراض وإن كان الأمر المطلوب منهم شاقّاً على نفوسهم من قبيل الجهاد فخصّهم الله تعالى بالذكر لذلك.

 

الفائدة الثانية: هي بيان تشريفه تعالى لهذه الفرقة - فرقة المؤمنين - على سواها بمخاطبته (جلّ وعلا) لها، فإنّ خطاب الله تعالى لفئة دون فئة فيه تشريف لتلك الفئة المخاطبة، وفيه لذّة، وهذه اللذّة تنسيهم ألم الطاعة وعناء العبادة، يقول الإمام الصّادق (ع): "لذّة ما في النداء أزال تعب العبادة والعناء"[1].

 

وكما في هذا الاسلوب مدح للمؤمنين فيه تحقير وتقريع لغيرهم من الناس المشمولين معهم في الخطاب من حيث الباطن؛ باعتبار أنّ ربّ العزّة والكرامة لا يودّ مخاطبتهم ولا يريد أن يوجّه الخطاب لهم وإن كانوا مشمولين مع المؤمنين في الخطاب.

 

الفائدة الثالثة: هي تذكيرهم بوصف الإيمان الذي اتصفوا به وبه استحقّوا التكريم والتشريف بمخاطبته تعالى لهم على غيرهم، فالإيمان: هو الاعتقاد الراسخ بالله تعالى والتصديق الكامل لكلّ ما يأتي من قِبَله سبحانه، ولهذا يذكّرهم تعالى بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)) بهذه الصفة الفاضلة التي امتازوا بها على غيرهم ليسهل عليهم تحمّل الأمر المراد منهم امتثاله.

 

إذا عرفنا هذا.. عرفنا الإجابة على السؤال القائل: لماذا خاطبهم الله تعالى بصفة الإيمان دون غيرها من الصفات الجيّدة التي يمتازون بها عن غيرهم، من قبيل: الصدق والوفاء والإحسان و...؟

 

فالله تعالى يخاطب المؤمنين من الناس بصفة الإيمان دون غيرها من الصفات التي يتّصفون بها تكريماً لهم عن غيرهم، وتذكيراً لهم بأهمّ مميّزاتهم، ويستبطن هذا الخطاب الدعوة إلى المحافظة على هذه الصفة والاهتمام بها وبإنمائها، كما أنّ في الخطاب إشعاراً لهم بأنّهم إنّما استحقّوا الخطاب المباشر منه تعالى لما يتمتّعون به من صفة الإيمان، ليتذوّقوا بذلك حلاوة الإيمان بالله تعالى أوّلاً، وليذكّرهم ثانياً بما يقتضيه الإيمان من التسليم لأمره تعالى وإن كان - هذا الأمر - على خلاف مشتهياتهم وعاداتهم أو فقل: [ليحرّك فيهم مشاعر الطاعة ويذكي فيهم جذوة الإيمان]، كلّ ذلك توطئة منه تعالى لما سيأتي من حكم، فهي بمثابة [المقدّمة التي تساق لتسكين طيش النفوس والحصول على اطمئنانها واستقرارها عن القلق والاضطراب إذا كان غرض المتكلّم بيان ما لا يُؤمَن فيه التخلّف والتأبّي عن القبول؛ لكون ما يأتي من الحكم أو الخبر ثقيلاً شاقّاً بطبعه على المخاطب][2].

 

 

في وجوب الصيام ومعناه:

 

وبعد أن ذكرهم (جلّ وعلا) بصفة الإيمان وما تعنيه من التسليم لأمره وإن كان شاقاً وعلى خلاف مشتهياتهم قال: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) والكتابة معروفة المعنى ولكنّ الله تعالى استخدم هذه الصيغة، وهذا التعبير كناية عن الفرض والتشريع، وقد وردت هذه الصيغة كثيراً في القرآن، من قبيل قوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) (البقرة: 178) أي فرض عليكم القصاص ووجب، وقوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)) (البقرة: 180) أي فرض عليكم ذلك ووجب، ومثله قوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُم)) (البقرة: 216)، فقوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) يعني فرض عليكم الصيام ووجب.

 

والصيّام في اللغة يعني الإمساك عن الشيء والترك له، فالصمت - مثلاً - وهو عدم الكلام يسمّى في اللّغة صوماً، قال تعالى: ((فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)) (مريم: 26).

 

وفي التشريع الإسلامي: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النيّة، فهو ليس مجرّد إمساك بل إمساك عن أشياء مخصوصة عيّنتها الشريعة تسمّى بالمفطرات، فلو صَمَتَ الإنسان دهراً طويلاً لا يقال له في الشريعة الإسلاميّة بأنّه صائم، كما أنّ الإمساك عن المفطرات لكي يعدّ صياماً يجب أن يكون في وقت مخصوص وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله تعالى: ((وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) (البقرة: 187)، فلو أمسك عن المفطرات من غروب الشمس إلى طلوعها فإنّه لا يسمّى في الشريعة صائماً، أضف إلى ذلك أنّ الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يسمّى في الشريعة صياماً حقيقة إلاّ إذا اقترن بنيّة التقرّب إلى الله تعالى، فلو أمسك عن المفطرات في ذلك الوقت دون نيّة كان صومه باطلاً وكأنّه لم يكن.

 

 

في مفطرات الصيام:

 

والمفطرات - بحسب المشهور بين الفقهاء - عشرة، وهي:

 

الأوّل والثاني - الأكل والشرب: فإذا أكل الصائم أو شرب شيئاً عمداً بطل صومه سواء كان ذلك المأكول أو المشروب معتاداً كالخبز والماء وما شابه، أو غير معتاد كأكل التراب وشرب عصارة الشجر، وسواء كان ذلك المأكول أو المشروب كثيراً أو قليلاً بل ولو كان قليلاً جدّاً كالأجزاء الصغيرة من الطعام التي تتخلّف بين الأسنان إن قصّر الصائم في تخليل الأسنان، وكعُشْر القطرة بل حتى بإعادة المسواك المرطوب إلى الفم بعد إخراجه منه وابتلاع رطوبته فوراً قبل أن تضمحلّ في ماء الفم، نعم إذا اضمحلّت رطوبة المسواك في ماء الفم بحيث لا يطلق عليه أنّه ابتلع رطوبة خارجيّة صحّ صومه.

 

الثالث - المعاشرة الزوجيّة: قبلاً أو دبراً، فاعلاً أو مفعولاً، حيّاً أو ميّتاً، فتعمّد ذلك مبطل للصوم وإن لم يُنزل ما دام قد التقى الختانان، أمّا لو عاشر ناسياً أو مكرهاً فبمجرّد التذكّر أو ارتفاع الإكراه يجب عليه أن يخرج من حالة المعاشرة فوراً وإلاّ بطل صومه.

 

الرابع - الاستمناء: وهو طلب خروج المني باليد أو التخيّل أو المداعبة أو غير ذلك، وهو مبطل للصوم إن كان يحتمل خروج المني، نعم الاحتلام لا يضرّ بالصوم، فلو نام في النهار واحتلم صحّ صومه، واستحبّ له المبادرة إلى الغسل، ويجوز له أن يبول ويستبرئ قبل الغسل ليُخرج ما تبقى من المادّة في المجرى.

 

الخامس - تعمّد البقاء على الجنابة أو الحيض أو النفاس إلى أذان الفجر: فإذا أجنب الإنسان ليلاً أو طهرت المرأة من الحيض أو النفاس ليلاً ثمّ أخّروا الغسل إلى أذان الفجر عمداً بطل صومهم، ويختصّ هذا الحكم بشهر رمضان وقضائه، وهناك من الفقهاء مَن يحتاط وجوباً في الواجب المعيّن كصوم يوم النذر المعيّن، أمّا إذا أخّروا الغسل لا لعمدٍ كما لو حبسوا عن الغسل صحّ صومهم ولا شيء عليهم.

 

أمّا لو أجنب الإنسان ليلاً أو طهرت المرأة من الحيض أو النفاس ليلاً وأرادوا النوم قبل الغسل:

 

ــ   فإن كان في نيّتهم ترك الاغتسال أو كانوا متردّدين فيه فناموا ولم يستيقظوا إلى أذان الفجر كان حكمهم حكم مَن تعمّد ترك الاغتسال إلى أذان الفجر، وكان صومهم باطلاً، ولزمهم القضاء والكفّارة.

 

ــ   وإن كان في نيّتهم أن يغتسلوا إذا استيقظوا قبل الفجر وكان من عادتهم أنّهم يستيقظون قبل الفجر فناموا ولم يستيقظوا إلى أذان الفجر صحّ صومهم ولا شيء عليهم.

 

ــ   أمّا لو استيقظوا قبل أذان الفجر ثمّ عاودوا إلى النوم مرّة ثانية وكان في نيّتهم أن يغتسلوا إذا استيقظوا قبل الفجر وكان من عادتهم أنّهم يستيقظون مرّة ثانية قبل الفجر ولكنّهم لم يستيقظوا إلى أذان الفجر فعليهم قضاء ذلك اليوم، ولا كفّارة عليهم.

 

ــ   أمّا لو استيقظوا من نومتهم الثانية ثمّ عادوا إلى النوم مرّة ثالثة ولم يستيقظوا إلى أذان الفجر وجب عليهم القضاء والكفّارة وإن كان من عادتهم أن يستيقظوا مرّة ثالثة قبل الفجر.

 

السادس - تعمّد التقيّؤ: فإذا تعمّد الصائم التقيّؤ - وإن كان لضرورة من علاج ومرض ونحوه - بطل صومه وعليه القضاء، ولا إشكال لو تقيّأ سهواً أو دون اختيار منه.

 

السابع - الاحتقان بالمائع: والمراد به هو إدخال المائع إلى الأمعاء عن طريق فتحة الشرج، وليس المقصود منه الإبرة، فالاحتقان بالمائع مفطر دون الاحتقان بغير المائع، كما أنّه لو احتقن بالمائع ولم يصل إلى الأمعاء فلا إشكال في صومه.

 

الثامن - تعمّد الارتماس: والمراد بالارتماس هو ادخال تمام رأسه في الماء - سواء أدخله دفعة واحدة أو أدخله تدريجيّاً - وإن كان بدنه خارج الماء، وبعض الفقهاء فرّق بين الدفعة والتدريج، فقال: رمس الرأس في الماء دفعة واحدة مبطل للصوم، أمّا لو رمسه تدريجيّاً كما لو أدخل نصف رأسه في الماء ثمّ أدخل النصف الثاني بعد قليل لم يبطل صومه.

 

التاسع - إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق: بل وحتى غير الغليظ على الأحوط وجوباً عند بعض الفقهاء، وقد ألحق البعض البخار والدخان به في الحكم على الأحوط وجوباً إذا تحوّل إلى ماء في الفم، أمّا بخار القدر وبخار الماء الساخن فلا إشكال فيه.

 

العاشر - الكذب على الله تعالى أو على رسوله (ص) أو على أحد الأئمّة المعصومين (ع): والأحوط وجوباً إلحاق الزهراء (ع) بل وسائر الأنبياء والأوصياء (ع) بهم في الحكم من غير فرق بين أن يكون الكذب عليهم في أمر دينيّ أو دنيويّ، سواء كان الكذب في التحليل أو التحريم، في القصص أو المواعظ إذا قصد بالكلام الكذب عليهم (ع)، أمّا لو قصد به الصدق فكان كذباً فلا بأس عليه ولا يضرّ ذلك بصومه.

 

 

أنواع الصيام:

 

هذه هي قائمة المفطرات التي يجب أن يمسك عنها الصائم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النيّة حسب الرأي المشهور، وبما أنّ الصوم عبادة فاللاّزم أن يكون كغيره من العبادات فيه الواجب والحرام والمستحبّ والمكروه:

 

ــ   والصيام الواجب: هو الذي يجب على المكلَّف الإتيان به ولا يجوز له تركه، فإن فعله استحقّ الثواب وإن تركه استحقّ العقاب.

 

ــ   والصيام المحرّم: هو الذي يجب على المكلّف تركه ولا يجوز له فعله، فإن فعله استحقّ العقاب.

 

ــ   والصيام المستحب والمكروه: هو الذي يجوز الإتيان به ويجوز تركه إلاّ أنّ المكلّف يثاب على فعل المستحبّ ولا يعاقب على فعل المكروه.

 

وفي هذه العجالة نكتفي بالنظر في بعض أقسام الصيام الواجب والصيام المحرّم دون المستحب والمكروه؛ لأنّ الواجب والحرام يترتب عليهما إثم وعقاب عند وقوع المخالفة دون المستحب والمكروه الذي لا إثم ولا عقاب فيهما، فنقول:

 

من أقسام الصيام الواجب:

 

1)   صيام شهر رمضان المبارك: وهو أفضل وأشرف أنواع الصيام الواجب، وهو واجب بالأصل، وفيه الأجر العظيم الذي لا عدّ له ولا حصر، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: "إنّ الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه"[3].

 

2)   صيام القضاء: فمَن فاته يوم أو أيّام من شهر رمضان المبارك وجب عليه قضاؤها، والقضاء على قسمين: (قضاء موسَّع) و (قضاء مضيَّق)، والفرق بينهما أنّ الموسَّع تكون فيه الأيّام المتبقيّة إلى شهر رمضان القادم أكثر من الأيّام التي يجب عليه قضاؤها، والمضيَّق تكون الأيّام المتبقيّة إلى شهر رمضان القادم تساوي الأيّام التي يجب عليه قضاؤها، فلو أفطر الفرد في شهر رمضان خمسة أيّام مثلاً لعذر شرعي كالمرض فإنّه يجب عليه أن يقضي هذه الخمسة أيّام بعد انتهاء شهر رمضان الحالي وقبل حلول شهر رمضان القادم، وبما أنّ الأيّام المتبقيّة إلى شهر رمضان القادم أكثر بكثير من عدد الأيّام الخمسة التي في ذمّته والتي يجب عليه قضاؤها قبل حلول شهر رمضان القادم يسمّى هذا القضاء موسَّعاً، وكلّما مضى يوم نقص من الأيّام المتبقيّة يوم وتضيّقت المدّة المتبقيّة إلى حلول شهر رمضان القادم بمقدار ما مضى وهكذا ولكن يبقى العنوان قائماً وأعني بالعنوان هو (القضاء الموسَّع) لأنّه لا تزال المدّة المتبقيّة أكثر من الأيّام الواجب قضاؤها وهكذا يبقى العنوان ثابتاً وإن بقي من الأيّام المتبقيّة أكثر من الأيّام التي يجب عليه قضاؤها بيوم واحد لأنّه يبقى موسَّعاً بقدر ذلك اليوم، فإذا صار عدد الأيّام المتبقيّة إلى حلول شهر رمضان القادم خمسة أيّام - بعدد ما في ذمّته حسب المثال - صار القضاء مضيّقاً، وفي القضاء الموسَّع لا تجب المبادرة إلى الصيام وإن كانت المبادرة أفضل بل مستحبّة حتى يضمن الإنسان براءة ذمّته من التكليف؛ لأنّ الإنسان لا يعلم أيبقى سالماً صحيحاً معافى إلى السنة القادمة حتى يستطيع أن يقضي ما عليه متى ما أراد أو ربما يعاجله الموت فيقضي عليه أو يعاجله المرض فيقعده ويعجزه عن القضاء بما يبقي ذمّته مشغولة، ومن هنا يستحبّ للإنسان أن يبادر في قضاء ما عليه إذا كان القضاء موسَّعاً ولكن يجب أن يعلم أنّه إذا بدأ في القضاء الموسَّع فله أن يفطر إلى ما قبل الزوال أي إلى ما قبل أذان الظهر، أمّا إذا زالت الشمس فليس له أن يفطر بعد ذلك وإذا أفطر ترتّبت عليه كفّارة الإفطار في قضاء شهر رمضان وستأتي بعد ذلك، أمّا في القضاء المضيَّق فتجب المبادرة إلى القضاء ولا يجوز التهاون والتأجيل إلى ما بعد شهر رمضان القادم كما لا يجوز له أن يفطر، لا قبل الزوال ولا بعده.

 

3)   صيام الكفّارات:

 

أ‌)   كفّارة إفطار يوم من شهر رمضان المبارك: وهي (عتق رقبة) و (صيام شهرين متتابعين) و (إطعام ستين مسكيناً):

 

ــ   فإن كان افطاره على شيء مباح ففي المسألة قولان:

 

القول الأوّل - التخيير: بمعنى أن يختار المكلّف لنفسه واحدة من هذه الثلاث إمّا (العتق) وإمّا (الصيام) وإمّا (الإطعام)، وبما أنّ العتق معدوم في هذا الزمن وجب عليه أن يختار إمّا (الصيام) وإمّا (الإطعام).

 

القول الثاني - الترتيب: بمعنى أنّه يجب عليه أوّلاً (عتق رقبة) فإن لم يتمكّن ولو لعدم وجودها (صام شهرين متتابعين)، فإن لم يتمكّن (أطعم ستين مسكيناً).

 

ــ   وإن أفطر على حرام - كما لو أفطر على شرب الخمر أو الزنا وشبه ذلك - فعليه كفّارة الجمع، بمعنى أنّه يجب عليه (عتق رقبة) إن وُجد و (صيام شهرين متتابعين) و (إطعام ستين مسكيناً)، ولا يكفيه أن يأتي بواحدة منها.

 

ب‌)   كفّارة إفطار قضاء شهر رمضان بعد الزوال: وهي (إطعام عشرة مساكين) فإن لم يتمكّن (صام ثلاثة أيّام).

 

ومن أقسام الصيام المحرّم:

 

1)   صيام العيدين: (عيد الفطر) و (عيد الأضحى)، فإذا وقع اختلاف في تعيين العيد كما في تعيين (عيد الفطر) فعليه:

 

ــ   إن كان مطمئنّاً أنّه يوم عيد وجب عليه أن يفطر فيه؛ لأنّه لا يجوز صوم العيد.

 

ــ   إن كان غير مطمئنٍّ أنّه يوم عيد كما لو شكّ أو ظنّ فعليه أن يستصحب بقاء الشهر وبالتالي يلزمه أن يصوم ذلك اليوم ولا إثم عليه وإن ثبت بعد ذلك أنّه كان يوم العيد.

 

ويمكن للمكلَّف أن يحتاط بأن يسافر - بمعنى أن يقطع المسافة الشرعيّة - ثمّ يفطر ثمّ يرجع إلى منزله بشرط أن يجيز مرجعه السفر في شهر رمضان؛ لأنّ المسألة خلافيّة، فإن كان ذلك اليوم يوم عيد فقد أفطر ولم يرتكب إثماً، وإن كان يوم صيام فإنّه لم يفطر من دون عذر؛ لأنّ السفر بشروطه قاطع للصيام في الشريعة وبالتالي لم يرتكب مخالفة إذا كان مرجعه يجيز السفر الاختياري في شهر رمضان، ولكن يبقى أنّ عليه أن يصوم يوماً احتياطاً من أجل إبراء الذمّة فقد يكون اليوم الذي أفطر فيه يوم صيام.

 

2)   صيام أيّام التشريق لمَن كان بمنى: سواء كان ناسكاً أو غير ناسك، وأيّام التشريق هي: الأيّام التي ترمى فيها الجمرات، وهي: اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجّة.

 

3)   صيام نذر المعصية: كما لو وصلت جرأت العاصي أن ينذر بأن يصوم يوماً قربة لله تعالى شكراً له أن وفّقه لارتكاب المعصية الكذائيّة، كأن يقول: لله عليّ إن وفّقتُ للزنا بالمرأة الفلانيّة أن أصوم يوماً قربة لله تعالى أو لله عليّ إن وُفِّقتُ لشرب الخمر أن أصوم يوماً قربة لله تعالى أو ما أشبه ذلك، فهو حرام عظيم؛ لأنّه بالإضافة إلى رجاء فعل المعصية فيه تجرّؤ على الله تعالى.. أمّا لو نذر الصيام إذا صدرت منه معصية زجراً لنفسه عن المعصية فيجوز، كما لو قال: لله عليّ إن ارتكبتُ معصية أن أصوم يوماً قربة لله تعالى.. فهذا جائز.

 

4)   صيام الواجب في السفر: فإنّه لا يجوز أن يصوم الفرد صياماً واجباً أثناء السفر إلاّ ما استثني من قبيل: (النذر المقيّد إيقاعه في السفر) أو (النذر المقيّد بالأعم من السفر والحضر) أو (صيام بدل الدم) وهي ثلاثة أيّام في الحج أو (صيام بدل البدنة) لمَن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً، وهو صيام ثمانية عشر يوماً أو (أن يكون سفره أكثر من حضره) فيجب عليه صيام الواجب في سفره أو (يكون سفره سفر معصية) فيجب عليه الصيام الواجب في هذا السفر.

 

5)   صيام يوم الشكّ من شهر شعبان بنيّة أنّه من شهر رمضان: فمَن صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من شهر رمضان بطل صومه وإن كان مطابقاً للواقع؛ لأنّه خالف الشرع في نيّة الصيام فكان صومه محرّماً، فحكم يوم الشكّ أنّه لا يجب صومه وإن كان الصوم أحوط خصوصاً إذا كان الجوّ غائماً أو فيه علّة؛ لأنّه قد يكون من شهر رمضان فيفوته العظيم من الأجر، فإذا أراد صيامه فعليه أن يصومه بنيّة أنّه من شهر شعبان لا من شهر رمضان، فإن انكشف له أثناء النهار أنّه من شهر رمضان جدّد النيّة ولو كان بعد الزوال، وإذا لم ينكشف له أنّه من شهر رمضان بقي على نيّته الأولى، فإن كان - بحسب الواقع - من شهر رمضان حُسِب له وأجزءه ونال ثوابه العظيم.

 

6)   صوم يوم العاشر من المحرّم: لأنّه يوم استبيحت فيه حرمات آل رسول الله (ص) وفرحت به بنو سفيان وآل مروان وآل زياد بقتلهم الحسين (ع) واعلنوه عيداً وصاموه شكراً لله تعالى على قتل أبي عبدالله (ع)، ولذلك لمّا سأل (أبو غندر) الإمامَ الصادق (ع) عن صيام يوم العاشر، قال له: "ذاك يوم قُتِل في فيه الحسين (ع)، فإن كنتَ شامتاً فصم!"، ثمّ قال: "إنّ آل أميّة (عليهم لعنة الله) ومَن أعانهم على قتل الحسين (ع) من أهل الشام نذروا نذراً إن قُتِل الحسين (ع) وسلم من خرج إلى الحسين (ع) وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتّخذوا ذلك اليوم عيداً لهم يصومون فيه شكراً ويفرّحون أولادهم، فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعاً، فلذلك يصومونه، ويُدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح ذلك اليوم"، ثمّ قال: "إنّ الصوم لا يكون للمصيبة، ولا يكون إلاّ شكراً للسلامة، وإنّ الحسين (ع) أصيب فإن كنتَ ممّن أُصيب به فلا تصم! وإن كنتَ شامتاً، ممّن تبرّك بسلامة بني أميّة فصم شكراً لله تعالى"[4].

 

 

كما كتب على الذين من قبلكم:

 

إلى هنا اتّضح لنا معنى قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) كما اتّضح لنا أنّ الصيام فريضة شاقّة؛ إذ على الإنسان فيه أن يتحمّل الجوع والعطش وهو مؤلم وشاقّ خصوصاً في مثل بلادنا الحارّة، كما أنّ عليه أن ينقطع عن شهواته وملذّاته وبكلمة واحدة: عليه في الصيام أن يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة وهو شاقّ، ولأنّه شاقّ نجد أنّ المولى تعالى بعد أن قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، قال: ((كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)) ليبيّن لأمّة المصطفى (ص) أنّ الصيام لم يكن فرضاً عليها وحدها دون سواها ولم يكن مختصّاً بها دون غيرها فكما فُرض عليها فُرض على الأمم من قبلها.

 

لماذا يخبرها (جلّ وعلا) بأنّ الصيام قد فرض على الأمم الأخرى كما فرض عليها؟ الجواب: لكي لا تستثقله ولكي لا تستوحش من تشريعه؛ باعتبار أنّ الصوم عبادة شاقّة، والشيء الشاقّ إذا عمّ سهل تحمّله، وقد قيل: (الأشياء الشاقّة إذا عمّت سهلت)، فالله تعالى يريد أن يقول: [لا ينبغي أن تستثقلوه - أي الصيام - وتستوحشوا من تشريعه في حقّكم وكتابته عليكم فليس هذا الحكم بمقصور عليكم بل هو حكم مجعول في حقّ الأمم السابقة عليكم ولستم أنتم متفرّدين فيه][5]، ولكن يبقى السؤال: إذا كان الصيام عبادة شاقّة فلماذا يفرضها الله تعالى علينا وعلى الأمم السابقة، خصوصاً وأنّ صيامنا وصيامهم لا ينفعه تعالى في شيء؛ لأنّه غنيّ عن الخلق وعن صيامهم فهو الذي لا تنفعه طاعة مَن أطاعه ولا تضرّه معصية من معصاه، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) (فاطر: 15)، ويجيب القرآن على ذلك بقوله: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، أي فرض عليكم الصيام بما فيه من تعب ومشقّة ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).

 

 

التقوى رأس الأمر كلّه:

 

ونحن إذا تدبّرنا القرآن الكريم نجد أنّ كلّ التكاليف الإسلاميّة إنّما أريد بها إيجاد التقوى في نفوس العباد، فكما قال تعالى في الصيام: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) قال في القصاص: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة: 179)، وقال في العدل: ((اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) (المائدة: 8)، وقال في العفو: ((وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) (البقرة: 237)، وقال في الصلاة: ((وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)) (العنكبوت: 45)... وهكذا، وبكلمة واحدة: إنّ العبادة التي فرضها الله تعالى على الإنسان بقوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) (الذاريات: 56)، إنّما أريدت من أجل إيجاد التقوى في نفوس العباد، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة: 21)، وقال: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (الأنعام: 153)، ولهذا يقول رسول الله (ص) لأبي ذر الغفاري (رض): "عليك بتقوى الله؛ فإنّه رأس الأمر كلّه"[6]، فالله تعالى يعدّ التقوى هي الأساس، هي القيمة الحقيقيّة، هي روح المجتمع الإسلامي، فكلّ مجتمع من المجتمعات لا يمكن أن يعيش قيماً شتّى وإنّما يعيش قيمة واحدة تكون هي المحور لقوانينه وأنظمته، فمثلاً: هناك مجتمع يعيش قيمة المادّة فأغنى الناس في ذلك المجتمع وأكثرهم ثروة يكون سيّداً عليهم، وهناك مجتمع يعيش قيمة القوّة فأقواهم يكون سيّداً عليهم، وهناك مجتمع يعيش قيمة الجاه والحسب فأعلاهم جاهاً وحسباً يكون سيّداً عليهم... وهكذا، والإسلام لا يعترف بهذه القيم الظاهريّة.. فلا يعترف بقيمة المال، ولا بقيمة القوّة، ولا بقيمة الجاه والحسب، ولا بقيمة الشهرة، ولا بقيمة اللّسان، ولا بقيمة اللّون، فالناس عند خالقهم (جلّ وعلا) سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربيّهم على أعجميّهم ولا لأبيضهم على أسودهم إلاّ بالتقوى كما يقول رسول الله (ص)، وقال تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (الحجرات: 13) فأتقى النّاس هو سيّد النّاس، فالتقوى هي ميزان التفاضل في الإسلام، وهي القاسم المشترك لكلّ تكاليف وتوجيهات وتعاليم الإسلام، وبكلمة واحدة: هي روح المجتمع الإسلامي وإذا انتزعنا التقوى من مجتمع ما فلن يكون ذلك المجتمع إسلاميّاً وإن طبّق قوانين الإسلام؛ لأنّ التطبيق الخالي من الروح تطبيق أجوف لا قيمة له، فكما لا نستطيع أن نسمّي الكمبيوتر - وهو الذي يستطيع أن يجيب على مئات الألوف من المسائل الرياضيّة المعقّدة التي نعجز أنا وأنت عن جوابها - عاقلاً؛ لأنّه يفتقر إلى أهمّ مقوّمات العقل وهي الحياة؛ إذ لا عقل من دون حياة فكذلك لا نستطيع أن نسمّي المجتمع الذي لا تقوى فيه مجتمعاً إسلاميّاً ما دام يفتقر إلى أهمّ ركيزة في الإسلام وهي التقوى.

 

بعد هذا البيان نأتي ونسأل ونقول: ما هي التقوى؟ ولماذا يريدنا الله تعالى أن نكون أناساً أتقياء؟

 

 

في معنى التقوى:

 

ونجيب على السؤال الأوّل بأنّ التقوى هي: [الالتزام الداخلي بالعقيدة الإسلاميّة النابع من القناعة التامّة وتذليل الشهوات عن طريق الإرادة الصلبة مع الوعي الكافي][7].

 

إذن التقوى ليست مجرّد عمل بل عمل وراءه التزام وتعهّد وتحمّل مسؤوليّة، وليست هي مجرّد التزام فقد يلتزم الإنسان بشيء تأدّباً وتعوّداً كالذي يصلّي لا عن قناعة بالصّلاة وأهمّيتها بل لأنّه تعوّد عليها منذ الصغر فإن تركها أحسّ بنقص، وكالبنت التي تلبس الحجاب لا عن قناعة به وبأهميّته بل لأنّها تعوّدت على لبسه منذ الصغر فإذا نزعته أحسّت بتغيّر في حياتها لم تكن معتادة عليه فتستوحش منه، فمثل هذا العمل لا يسمّى تقوى ولا صاحبه يسمّى تقيّاً، بل التقوى هي الإلتزام بالعقيدة الإسلاميّة بشرط أن يكون هذا الإلتزام نابعاً من الإيمان بالله تعالى وبالرسول (ص) ورسالته وباليوم الآخر كما يجب أن يكون هذا الإيمان نابعاً من القناعة التّامة النابعة من تذليل الشهوات عن طريق العقل والإرادة.. وعليه: لو كان الإنسان مستقيماً يعيش بصورة طبيعيّة في مجتمع مسلم ولم يسلَّط عليه ضغط ولم يجد أمامه محرَّماً حتى يبتلى به ويُفتتن فإنّه لا يُقال له متّقنٍ بل المتقي هو الذي يجرّب ويقع تحت الضغوط ولكن إيمانه وإرادته تجعلانه يتحدّى الضغوط ويحافظ على استقامته.

 

 

في الغاية من التقوى:

 

ونجيب على السؤال الثاني - وهو: لماذا يريدنا الله تعالى أن نكون أناساً أتقياء؟ - بأنّه تعالى يريد منّا أن نكون كذلك لأنّ التقوى هي الضابط الداخلي الذي يسيطر على حركة الإنسان وخطورتها وبالتالي يسيطر على الجريمة في المجتمع، وإذا تمّت السيطرة على الجريمة عاش النّاس في أمن وأمان دون خوف أو وجل، وإذا عاشوا كذلك صارت دنياهم جنّة في الحقّ، وإذا صارت الدنيا جنّة الناس في الحقّ فلاشكّ أنّ آخرتهم ستكون الجنّة أيضاً، والنتيجة هي السعادة في الدارين: الدنيا والآخرة، قال تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)) (يونس: 63-64) وبيان ذلك كما يلي:

 

إنّ كلّ شيء متحرّك بمقدار ما لحركته من أهمّيّة بمقدار ما تكون لها من الخطورة، وبمقدار ما تكون لها من الخطورة بمقدار ما تكون لكوابحه المسيطرة على حركته وقت الحاجة من أهمّيّة، فالسيّارة أهميّتها في حركتها وسرعتها في التنقّل ولكن بمقدار ما لحركتها من أهميّة بمقدار ما يكون لهذه الحركة من خطورة، وبمقدار ما لحركتها من الخطورة بمقدار ما لكوابحها من أهميّة، فإن استطاعت هذه الكوابح أن تسيطر على السيّارة متى ما أراد صاحبها كانت لهذه السيّارة قيمة وإلاّ فلا قيمة لها.

 

إذا اتّضح هذا نأتي إلى الإنسان وحركته، فالإنسان دائم الحركة: في يقظته يتحرّك، وفي نومه يتحرّك، قلبه دائماً ينبض، وعقله دائماً يفكّر، ومن الصعب على الإنسان أن تمرّ لحظة لا يفكّر فيها، على الأقل يفكّر أن لا يفكّر، وليست المسألة في حركة الإنسان بل في خطورة هذه الحركة، فالأسد - وهو الحيوان المفترس - لا يستطيع أن يفترس في اللّحظة إلاّ فريسة واحدة وعادة لا يحصل عليها، بينما الإنسان في لحظة واحدة يستطيع أن يفني الملايين من الناس والحيوانات، في لحظة يستطيع أن يهلك الأخضر واليابس، و (قنبلة هيروشيما) و (الحرب العالميّة الثانية) شاهدة على ما نقول، فهذا الإنسان المتحرّك بحاجة إلى كوابح تكون قوّتها بقوّة حركته لتكون قادرة على السيطرة عليه قبل الوقوع في الجريمة.

 

صحيح أنّ هناك قوانين وعقوبات: سجن وغرامة ونفي وإعدام... وغير ذلك، ولكنّ هذه القوانين والعقوبات كوابح خارجيّة، والكوابح الخارجيّة لا تنفع كثيراً، وما نراه في حياتنا من سرقات واغتصابات واختطافات... وغير ذلك شاهد على ما نقول، والكوابح الخارجيّة إن نفعت فهي إنّما تنفع بعد وقوع الجريمة، وبالتالي نحن بحاجة إلى كوابح داخليّة قويّة باستطاعتها أن تمنع وقوع الجريمة، وهذه الكوابح هي التي نسمّيها بـ (التقوى)، فالتقوى هي كوابح الإنسان الداخليّة التي باستطاعتها أن توقف خطورته وتمنعه من ارتكاب الجريمة، وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: "التقوى في الدنيا جُنَّة، وفي الآخرة طريق إلى الجنَّة"، في الدنيا جُنَّة يعني وقاية من الوقوع في الجريمة والمنكرات، فأنت لا تجد متّقنٍ - مثلاً - يفكّر بقتل الأبرياء فضلاً من أن يقوم بقتلهم، ولا تجد متّقنٍ يفكّر بالزنا فضلاً من أن يقوم بذلك، فالتقوى حالة نفسانيّة تمنع صاحبها - أي تعصمه - عن اقتراف القبائح والمعاصي، يقول أمير المؤمنين (ع): "إنّ التقوى عِصمةٌ لك في حياتك"[8]، أي عصمة لك في حياتك من ارتكاب القبائح والمعاصي، فالعصمة مقرونة بالتقوى، فمَن كان تقيّاً كان معصوماً بقدر تقواه، ومَن سُلِبت منه التقوى فقد سُلِبت منه العصمة، يقول أمير المؤمنين (ع): "بالتقوى قُرِنَتِ العصمةُ"[9]، والمعنى أنّ العصمة تلازم التقوى وتصاحبها وجوداً وعدماً، فإذا وجدت التقوى وجدت العصمة، وإذا انتفت التقوى انتفت العصمة، وهكذا كلّما ازداد الإنسان تُقَىً ازداد عصمة، فإذا بلغت تقواه درجتها العليا عصمته عن اقتراف جميع القبائح والمعاصي، من هنا تجد المولى سبحانه يدعونا إلى التزوّد من التقوى قدر ما نستطيع فيقول (عزّ من قائل): ((وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)) (البقرة: 197).

 

فالله تعالى يريدنا أن نكون أتقياء لنكون معصومين من القبائح والمنكرات حتى تنتفي الجريمة من المجتمع، وإذا انتفت الجريمة من المجتمع حلّ الأمن والأمان في ذلك المجتمع، وإذا حلّ الأمن والأمان في المجتمع أتاه الخير من كلّ مكان وغطّته البركة، قال تعالى: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ)) (الأعراف: 96).

 

من هنا كانت التقوى هي روح الإسلام ومحور جميع تكاليفه ومبادئه وقيمه وأخلاقه، فإذا أردت أن تتعامل مع الآخرين فتعامل معهم على أساس التقوى، وإذا أردت أن تبني العلاقات مع الآخرين بل وإذا أردت أن تبني بيتك أو عمارتك في الأرض فليكن بناؤك على أساس التقوى، قال تعالى: ((أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)) (التوبة: 109)، وقال تعالى: ((لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ)) (التوبة: 108)، وبكلمة واحدة: اجعل التقوى نصب عينيك دائماً، اجعل التقوى في قولك وفعلك، في سكونك وحركته، في صمتك ومنطقك... وهكذا، فالتقوى خير الزاد الذي يجب أن يتزوّد منه الإنسان في الدنيا إلى الآخرة.

 

 

من فوائد الصيام[10]:

 

إذن المولى سبحانه قد شرّع الصوم - بل كلّ التكاليف - من أجل إيجاد التقوى في نفوس العباد، كما أنّ هناك فوائد كثيرة دنيويّة وأخرويّة يمكن أن يستفيدها الإنسان من الصيام، منها على سبيل المثال:

 

أوّلاً - الفوائد التي ترتبط بالدنيا:

 

1)   الصحة والسّلامة: فقد ورد عن رسول الله (ص) أنّه قال: "صوموا تصحّوا"[11]، فالصوم صحّة وسلامة لا بمعنى أنّه علاج وإن كان كذلك، فما من مدرسة طبيّة إلاّ وللصوم مجال واسع فيها، عادة ما يكون هناك قائمة بالممنوعات عليك في علاج الأمراض، كما أنّ هناك فترات يجب على الطبيب أن يأمر مريضه بالصيام فيها لكي يحسن علاجه كما لو أراد أن يجري له عملية أو يقوم ببعض التحاليل المعيّنة، ولكنّ أهميّة الصوم لا تقتصر على أنّه علاج فحسب بل كونه وقاية أكثر منه علاجاً، فكلّنا نعلم أنّ حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب حاجة ملحّة وضروريّة من أجل أن يعيش ولكنّ هذا الإنسان إذا جلس على المائدة ينسي نفسه فيأكل ويشرب أكثر ممّا يحتاج إليه جسمه، كما أنّ هناك مَن يأكل بعض الأطعمة المعلّبة، والأطعمة المعلّبة تحتوي على مواد كيماويّة مهمّتها أن تحفظ الأطعمة من التلف السريع، ونحن عندما نأكل الأطعمة المعلّبة نأكلها بموادها الكيماويّة، وقد ذكرت بعض الاحصاءات: أنّ ما يقارب (8) كليو غرامات من المواد الكيماويّة تدخل بسبب هذه المعلّبات في أجسام مَن يعيش في العالم الثالث في كلّ عام، وأنّ ما يقارب (16) كليو غراماً منها يدخل في أجسام مَن يعيش في الدول الصناعيّة، والمواد الكيماويّة والأكل الزائد عن الحاجة يضرّ بالجسم بل تكون سموماً يقضي على الإنسان، فكيف يقي الإنسان نفسه من خطرها؟ الصوم هو الحلّ، والدليل على ذلك أن دول العالم الثالث أفضل حالاً من الناحية الصحيّة من الدول المتقدّمة مع أنّ الدول المتقدّمة أفضل حالاً من دول العالم الثالث من الناحيّة الطبيّة، فهي تمتلك الأجهزة المتطوّرة والأطبّاء المتمكّنين والأدوية الفعّالة... وغيرها، ومع أنّنا لا نملك في هذا المجال ما يملكون إلاّ أنّنا في مجال الصحّة أفضل حالاً منهم ببركة الصوم، فالصوم هو الذي يساعدنا على القضاء على تلك المواد الكيماويّة وغيرها من السموم التي تدخل إلى أجسامنا، ولعلّ هذا هو السبب في كون كفّارة إفطار يوم من شهر رمضان صيام شهرين متتابعين، يعني عليه أن يصوم بدل اليوم الواحد ستّين يوماً متواصلة أو يصوم (31) يوماً متواصلة ثمّ يقطّع في الباقي - إن شاء ذلك - كلّ ذلك لدفع الضرر عن هذا الإنسان، وهذا الإنسان من حيث لا يدري يتضجّر ويتساءل: لماذا نصوم ستّين يوماً بدل اليوم الواحد؟ لأنّ الله تعالى أراد أن ينظّف جسمك من الأوساخ القاتلة، ولهذا تجد أنّ الصلاة تسقط عن الحائض والنفساء بينما لا يسقط الصوم عنهما بل يجب عليهما قضاؤه؛ لأنّ الله تعالى لا يريد أن يحرمهما من هذه الفرصة التي تنظّفان فيها جسديهما من السموم القاتلة، فلو خيّرهما الله بين الصيام وعدم الصيام ربما اختارتا عدم الصيام فتفوتهما فرصة الوقاية من هذه السموم فألزمهما بالقضاء، يقول أمير المؤمنين (ع): "لكلّ شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام"[12].

 

2)   حل مشكلة التكيّف عند الإنسان: فالإنسان الذي يعيش حياة روتينيّة لا تتغيّر بمجرّد أن يحدث تغيير بسيط في حياته تجد أنّ حياته تضطرب، فالإنسان الذي ينام باكراً كلّ ليلة مثلاً، لو اضطرّ إلى السهر ليلة أو ليلتين أو ثلاث ترى جدول يومه يضطرب، فلابدّ للإنسان أن يغيّر في حياته، في أكله، في شربه، في منامه... وغير ذلك ليمتلك المناعة من الروتين الممل، فالطفل الذي لا يتعرّض للأمراض لا يمتلك مناعة في جسمه وعند أوّل مرض قد يموت.

 

يُقال: أنّ الإسكندر المقدوني مات وعمره (35) سنة تقريباً بمرض الانفلونزا العادي الذي يقاومه حتى الأطفال منّا؛ لأنّ الإسكندر عاش في ظلّ أبيه ملِكاً من صغره، فكان يأكل أفضل الطعام، ويشرب أفضل الشراب، ومن حوله الأطباء، فلم يكن يعرف المرض، ولمّا مرض مرضاً بسيطاً مات! وقد ورد أنّ رجلاً جاء إلى رسول الله (ص) يعرض عليه ابنته ليتزوّجها النبي (ص) ثمّ قام الرجل بمدح ابنته فمدحها ومدحها ليرغّب الرسول فيها إلى أن قال: "أنّها لم تمرض قط"، فلمّا سمع النبي (ص) ذلك رفض أن يتزوّجها وقال: "لا خير فيها"! لماذا لا خير فيها؟ لأنّها لا تمتلك مناعة في جسمها فربما تموت عند أوّل مرض يصيبها.

 

إذن يجب أن يوجد الإنسان المناعة لنفسه من الروتين وخطورته، والصيام يعالج مسألة الروتين معالجة جيّدة، فيغيّر أوقات الطعام، وأوقات النوم بل ويغيّر حتى العادة ونفسيّة الصائم.

 

3)   التكافل الاجتماعي: ففي شهر رمضان المبارك (وهو شهر الصيام) يتميّز المسلمون عن غيرهم بقوّة ما يظهر من الروابط الاجتماعيّة والتكافل الاجتماعي بينهم، فمجالس القرآن مفتوحة، ومجالس العزاء على أهل البيت (ع) منصوبة، وحفلات الافطار مقامة، والنّاس هنا وهناك تلتقي، وتتبادل الزيارات وأطباق الأطعمة، والاحساس بالفقراء والضعفاء ممّا يقوّي الروابط الاجتماعيّة.

 

4)   تقوية الإرادة: فقيمة الإنسان بمقدار إرادته، إذا ضعفت إرادته انهزم من كلّ شيء، وإذا قويت إرادته قهر كلّ شيء، فلابدّ للإنسان من أن يسعى لتقوية إرادته، ولكن كيف يقوّي إرادته، يقول علماء النفس: أنّ أفضل وسيلة لتقوية الإرادة هو قمع النفس، وإذا بحثت عن وسيلة تقمع بها نفسك لتقوّي إرادتك فإنّك لن تجد أفضل من الصيام، فنفس الصائم مثلاً ترغب في الأكل والشرب أثناء النهار، خلاياه تصرخ من الجوع والعطش تريد طعاماً وشراباً ولكنّه يقاوم ويمتنع عن تناول الأطعمة والأشربة إلى الليل أو يحتاج إلى تناول بعض الأدوية أو يحتاج إلى علاج أو غير ذلك فيمتنع عن كلّ ذلك إلى الليل، ولا أدلّ على ذلك من المدمنين على التدخين الذين لا يقوون على تأخير التدخين ساعة في الأيّام العاديّة فيما لو طلب منهم ذلك ولكنّك تراهم في شهر رمضان يأخّرونه إلى الليل وإن أوجعتهم رؤوسهم أثناء النّهار ممّا يقوي الإرادة عندهم على قطعه نهائيّاً فيما لو أرادوا إن شاء الله تعالى ذلك.

 

ثانياً - الفوائد التي ترتبط بالآخرة:

 

1)   انتفاضة التقوى: وقد تكلّمنا كثيراً في التقوى فيما مضى، والآن نكتفي بقول الزهراء (ع): "فرض الله الصيام تثبيتاً للإخلاص"[13]؛ وذلك لأنّ الصيام هي العبادة الوحيدة التي يصعب - وربما يستحيل - أن يقع فيها الرياء؛ لأنّ المرائي لماذا يجوّع نفسه؟ لماذا يعطّش نفسه؟ لماذا يكبح جماح غريزته الجنسيّة التي تلحّ عليه؟ فهو يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يمارس اللذّة سراً بعيداً عن النّاس، ثمّ لماذا يرائي من الأساس؟ ألكي يراه الآخرون؟ الآخرون مثله صائمون فلا يتميّز عليهم ليرائي أمامهم، ولهذا لا يصوم عادة إلاّ المخلص، فيتثبّت اخلاصه في نفسه وتنتفض التقوى في نفسه، ويسري الاخلاص من الصيام إلى عباداته الأخرى فيكون إنسانا تقيّاً، والدليل على انتفاضة التقوى في الصيام أنّك تلاحظ أنّ في شهر رمضان عادة تقلّ الجرائم في دولنا، حتى أنّ بعض مَن يشرب الخمر - مثلاً - يمتنع عن شربه في شهر رمضان احتراماً للشهر الكريم، ومَن يُساء إليه - مثلاً - يمتنع من ردّ الإساءة فيه، ويكتفي بقوله: (اللهمّ إنّي صائم)، فما الذي يمنعه من ردّ الإساءة غير الصيام؟

 

2)   كسب الأجر والثواب: فقد ورد في الحديث القدسي الشريف: "الصوم لي وأنا أجزي عليه"[14]، فإذا كان الجزاء على الله تعالى الذي لا تنفد خزائنه فكيف سيكون الجزاء؟ ولقد كشف رسول الله (ص) شيئاً من جزاء الصائمين وكرامتهم عند الله تعالى، فقال: "أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم في مستجاب"[15]، كما ورد في الحديث أيضاً: أنّ "الصوم جُنَّة من النّار"[16].

 

3) تزكية النفس: فالإنسان خطّاء، فكثيراً ما يزلّه الشيطان عن درب الله تعالى وصراطه فيعصي ويعصي، وترين المعصية على قلبه فيقطع إخوانه ويسيء إليهم، وشهر رمضان (شهر الصوم) هو أفضل وقت لتطهير النفوس والاستغفار ومحاسبة النفس وإعلان التوبة والرجوع إلى الله تعالى، خصوصاً في ليلة القدر، ولعلّ واحداً من أهمّ أسباب إخفاء ليلة القدر عن النّاس هو أن تتكرّر لهم فرصة الدعاء والاستغفار لتطهير أنفسهم وإعلان توبتهم، فارجع إلى نفسك أيّها الإنسان واعلن التوبة بينك وبين بارئك، وانظر إلى إخوانك وأصلح ما فسد بينك وبينهم، فصل مَن قطعته منهم، وتصالح مع مَن تخاصمت معه... وهكذا، وقد ورد في الحديث الشريف: "إذا دخلتم في الصيام فطهّروا نفوسكم من كلّ دنس ونجس، وصوموا لله بقلوب خالصة صافية منزّهة عن الأفكار السيّئة والهواجس المنكرة، فإنّ الله سيحبس القلوب اللّطخة والنيّات المدخولة"[17] أي النيّات التي دخلها فساد من رياء وعجب وأمثالهما.

 

4)   مواجهة الشيطان: فقد ورد في الحديث الشريف أنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه فيوسوس للإنسان ويزلزل إيمانه، وشهر رمضان هو أفضل وقت لإعلان الحرب على الشيطان ومواجهته، قال رسول الله (ص): "ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق والمغرب؟" قالوا: "بلى"، قال (ص): "الصوم يسوّد وجه الشيطان، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والمؤازرة في العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه"[18].

 

ونحن نجد البعض إذا اعتراه الشيطان وأراد المعصية وتذكّر أنّه صائم فإنّه يتوقّف عن المعصية ولا يرتكبها أو على الأقل: يؤخّرها إلى الليل، فهذا الإنسان الذي لم يرتكب المعصية لأنّه صائم قد استطاع أن يبرز في وجه الشيطان ويواجهه، فإذا تذوّق حلاوة انتصاره على الشيطان مرّة بعد أخرى تولّدت عنده العزيمة على مواجهة الشيطان مواجهة دائمة، وهذا ما يجب أن يكون.. فالشيطان لا يستطيع أن يوقف نواة من أن تنمو وتصبح شجرة، ولا يستطيع أن يوقف الشمس عن حركتها، ولا يستطيع أن يقضي على حياتك ويميتك، ولا يستطيع أن يجبرك على المعصية إذا كنت قويّاً، وكلّ ما يستطيع أن يفعله هو أن يوسوس لك ويزين لك المعصية، قال تعالى: ((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (إبراهيم: 22)، وفّقنا الله وإيّاكم لصيام هذا الشهر الفضيل، وتلاوة الكتاب العزيز، وأخذ بأيدينا إلى مرضاته.. والحمد لله ربّ العالمين.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1] مجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسي: ج2، ص5.

[2] الميزان في تفسير القرآن، للطباطبائي: م1، ج2، ص6.

[3] ميزان الحكمة، للريشهري: م5، (308 – الصوم)، (2351 – فضل الصوم)، ح (10910)، ص (2226).. وفي بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [30- باب فضل الصيام]، ح14، وح28، وح31، وح35، وح41، ص160: "الصوم لي وأنا أجز به".

[4] بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [31- باب أنواع الصوم وأقسامه، والأيّام التي يستحبّ فيها الصوم، والأيّام التي يُحرم فيها، وأقسام صوم الإذن]، ح17، ص169.

[5] الميزان في تفسير القرآن، للطباطبائي: م1، ج2، ص6.

[6] المجتمع الإسلامي: منطلقاته وأهدافه، للمدرّسي: تحت عنوان: (التقوى محور المجتمع الإسلامي)، ص76.

[7] نفس المصدر: ص66.

[8] ميزان الحكمة، للريشهري: م6، (358 – االعصمة)، (2750 – موجبات العصمة)، ح (13064)، ص (2644).

[9] نفس المصدر: ح (13068)، ص (2644).

[10] هذا البحث مُستفاد من محاضرة للسيّد هادي المدرّسي (أعلى الله مقامه): سلسلة الآخرة، الشريط الأوّل.

[11] بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [30- باب فضل الصيام]، ح33، ص160.. ميزان الحكمة، للريشهري: م5، (308 – الصوم)، (2354 – الصيام زكاة الأبدان)، ح (10927)، ص (2228).

[12] نفس المصدر: ح (10925)، ص (2228).. ورواه المجلسي بنفس هذه الصيغة في بحار الأنوار: م74، ج93، كتاب الصوم، [30- باب فضل الصيام]، ح41، ص163: عن النبي (ص)، وفي: ح27، وح32، ص160: أيضاً رواه عن النبي (ص) ولكن بهذه الصيغة: "إنّ على كلّ شيء زكاة، وزكاة الأجساد الصيام"، وفي: ح34، ص161: رواه عن أمير المؤمنين (ع) بهذه الصيغة: "لكلّ شيء زكاة، وزكاة البدن الصيام".

[13] نفس المصدر: (2352 - حكمة وجوب الصوم)، ح (10914)، ص (2227).

[14] ميزان الحكمة، للريشهري: م5، (308 – الصوم)، (2351 – فضل الصوم)، ح (10910)، ص (2226).. وفي بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [30- باب فضل الصيام]، ح14، وح28، وح31، وح35، وح41، ص160: "الصوم لي وأنا أجز به".

[15] مفاتيح الجنان، للشيخ القمّي: خطبة الرسول (ص) في آخر جمعة من شهر شعبان.

[16] بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [30- باب فضل الصيام]، ح35، ص161.. ميزان الحكمة، الريشهري: م5، (308 – الصوم)، (2353 – الصوم جُنَّة)، ح (10922)، ص (2228).

[17] بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [36- باب آداب الصائم]، ح17، ص185.

[18] سنن ابن ماجه: كتاب الصيام، باب ما جاء في فضل الصيام، ح 1635.. سنن النسائي: كتاب الصيام، ح2211.. وفي بحار الأنوار، للمجلسي: م74، ج93، كتاب الصوم، [30- باب فضل الصيام]، ح32، ص161: عن علي (ع) قال: قيل لرسول الله (ص): يا رسول الله، ما الذي يباعد الشيطان عنّا؟ قال: "الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله تعالى والمواظبة على العدل - الظاهر: أنّها (العمل) - الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه"، وفي ح39، ص162: عن يونس بن ظبيان قال: قلتُ للصادق جعفر بن محمّد (ع): يا ابن رسول الله، ما الذي يباعد عنّا إبليس؟ قال: "الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله، والمؤازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه".