في ذكر الموت وتذكره

bhoth

الموت حقيقةٌ وواقع كما أنَّ الحياة حقيقةٌ وواقع، والذي خلَق الحياة هو الذي خلقَ الموت، قال تعالى: ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)) (الملك: 2)، وكلّنا يُدرِكُ ذلك ويعرفه، فمَن منّا لم يرَ ميّتاً يُحمَل على الأكتاف؟ مَن منّا لم يسمع بذكر الموت والموتى؟ مَن منّا لم يَزُرِ الموتُ بيتَه ولم يطرقْ بابَه؟ مَن منّا لم يمتْ من أقربائه قريب، ومن أحبابه حبيب، ومن أصدقائه صديق؟ أينَ آباؤنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا من آدم (ع) إلى اليوم؟ لقد اختطفهم الموت ورحلوا، ولابدَّ وأن يأتي يوم ونرحل نحن كما رحلوا هم، هذه حقيقة وواقع لا يستطيع أحدٌ - مسلماً كان أو كافراً - أن يُنكرها، ومَن أنكرها لا يفيده إنكاره شيئاً أبداً، فلا ينجو من الموت مَن كفر به وأنكره كما لا ينجو من الموت من آمن به وصدّقه، لا ينجو من الموت مَن خافه وهرب منه، ولا ينجو من الموت مَن أحبَّه وأقبل عليه، يقول أمير المؤمنين (ع): "ما ينجو من الموت مَن خافه، ولا يُعطى البقاء مَن أحبّه"[1]، فالكلّ يموت، ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)) (القصص: 88)، قال تعالى: ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) (الرحمن: 26-27).

 

هذه حقيقة نعرفها كلّنا ولكن كم واحد منّا يؤمن بها؟ كم واحد منّا يصدّق أنّه (هو) سيموت؟ قد ندّعي الإيمان بها ولكنّ أعمالنا تكذّب ادّعاءنا هذا؛ لأنّ مَن أيقن بأنّ الموت طائله ولابدّ أن يأتي يوم ويموت استعدّ له وتهيّأ، وعَمِل له كما يعمل لحياته.

 

ربما يتصوّر البعض بأنّ الموت فناء ونهاية فلا يعيرونه اهتماماً ولا يلقون له بالاً، فلا يخافونه ولا يحذرونه، بل ربما تصوّروه راحة لهم من ضيق العيش وبلاء الدنيا، فإذا ضاقت عليهم الدنيا بما رَحبتْ تمنّوا الموت، وإذا حصرتهم الظروف في ضيق تمنّوا الموت، وإذا حلّت بهم مصيبة أو نزلت بهم نائبة تمنّوا الموت، وكأنّ الموت راحة لهم من كلّ ذلك وقد غفلوا أو تغافلوا بأنّ أكبر مصيبة قد تنزل على الإنسان هي موته (هو)، فلا شيء ينزل بالفرد أكبر من أن ينزل به الموت.

 

فإذا كان الأمر كذلك، وهو بلا شكّ كذلك، فلماذا نتجاهل الموت؟ لماذا نغفل عن الموت؟ لماذا ننسى الموت ونتناساه؟ فهل ذكر الموت يقرّب الموت مثلاً حتى لا نذكره؟ وهل تجاهل الموت والتغافل عنه يبعِّد الموت مثلاً حتى نتجاهله ونتغافل عنه؟ أبداً، لا ذكر الموت يقرّب الموت، ولا تجاهل الموت والتغافل عنه يبعِّد الموت، فـ ((لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)) (الرعد: 38) و ((إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)) (يونس: 49)، يقول أمير المؤمنين (ع): "عجبت لمَن نسيَ الموت وهو يرى الموتى!"[2]، في كلّ مرّة يرى ميّتاً يفارق أهله وأحبّته ويفارقونه، في كلّ مرّة يرى ميّتاً يُؤخَذُ إلى حفرة ضيّقة مظلمة ومع ذلك لا يتّعض بالموت، ولا يهابه، ولا يحذر منه، وكأنّه إذا نسي الموت كانت له الحجّة على الله تعالى فلا يؤخذ بشيء من معاصيه ولا يعاقب، وهل يمكن لأحدٍ أن ينسى الموت فعلاً؟ يقول أمير المؤمنين (ع): "كيف تنسى الموت وآثاره تذكِّرُك"[3] به؟

 

بل على العكس تماماً، مَن نسي الموت أو تناساه، ومَن غفل عن الموت أو تغافل عنه وقع في خطره أكثر ممَّن يذكره ليله ونهاره، فمَن غفل عنه اقتحم المعاصي وأسرف في الذنوب، ومَن ذكره ووعظ به نفسه زهد في الدنيا وحطامها، وعمل للآخرة ونعيمها، وقد ورد في الحديث الشريف أنّ "مَن فَزَّع نفسَه بالموت هانت عليه الدنيا"[4]، ويقول أمير المؤمنين (ع): "مَن ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير"[5]، ومَن رضي باليسير منها لم يطمع فيها، ولا يركن إليها ولا إلى أهلها، وبهذا جاءت التوصيات عن الرسول الأعظم (ص) وأهل بيته (ع) بأن "اذكروا هادمَ اللّذّاتِ، ومُنَغِّصَ الشهواتِ، وداعيَ الشتاتِ، اذكروا مُفَرِّقَ الجماعاتِ، ومباعِدَ الأمنياتِ، ومُدنِي المنيّاتِ، والمُؤْذِنَ بالبَين والشتات"[6]، "اكثروا ذكرَ الموتِ"[7]... وهكذا، لماذا نكثر ذكره؟ نكثر ذكره لنعظ به أنفسنا، ونهذّب به شهواتنا، يقول الإمام الصادق (ع): "ذكرُ الموت يُميتُ الشهوات في النفس، ويقلعُ منابِتَ الغفلةِ، ويُقوِّي القلبَ بمواعِدِ اللهِ، ويُرِقُّ الطَبْعَ، ويَكسِرُ أعلامُ الهوى، ويُطفِئُ نارَ الحِرصِ، ويُحقِّرُ الدنيا"[8].

 

نكثر من ذكر الموت؛ لأنّه: "يُمحِّصُ الذنوبَ، ويُزهِّدُ في الدنيا"[9]، يقول رسول الله (ص): "إن ذكرتموه عند الغِنى هَدَمَهُ، وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشتكم"[10].

 

نكثر من ذكر الموت؛ لأنّه: "ما من عبدٍ أكثر ذِكره إلاّ أحيا الله قلبهُ وهوَّن عليه الموت"[11] كما يقول (ص).

 

فإذا ذكر الإنسانُ الموتَ اكتسب فوائد عديدة، وأكثر من ذلك إذا ذكر موته هو، بأن أيقن بموته، وأن ليس هناك ما يدفع عنه خطر الموت، لذلك يقول الإمام الهادي (ع): "اذكر مصرعَكَ بين يدي أهلك، ولا طبيبَ يمنعُك، ولا حبيب ينفعُك"[12]، أي تصوّر نفسك - أنت لا غيرك - على فراش المنيّة وأحبابك إلى جوارك يبكون عليك، يأتون إليك بالطبيب ولكنّ الطبيب لا ينفعك، يرقّ لكَ أحبابك ويشفقون عليك ولكن لا حبيب منهم ينفعك، لا ينفعك إلاّ عملك الصالح، ((يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) (الشعراء: 88-89).

 

يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي: [وَأَعِنِّي بِالبُكاءِ عَلى نَفْسِي فَقَدْ أَفْنَيْتُ بِالتَّسْوِيفِ وَالآمالِ عُمْرِي، وَقَدْ نَزَلْتُ مَنْزِلَةَ الآيِسِينَ مِنْ خَيْرِي فَمَنْ يَكُونُ أَسْوَءَ حالاً مِنِّي إِنْ أَنا نُقِلْتُ عَلى مِثْلِ حالِي إِلى قَبْرٍ لَمْ أُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتِي، وَلَمْ أَفْرُشْهُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لِضَجْعَتِي، وَمالِي لا أَبْكِي وَلا أَدْرِي إِلى ما يَكُونُ مَصِيرِي، وَأَرى نَفْسِي تُخادِعُنِي، وَأَيَّامِي تُخاتِلُنِي، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأْسِي أَجْنِحَةُ المَوْتِ، فَما لي لا أَبْكِي؟! أَبْكِي لِخُرُوجِ نَفْسِي، أَبْكِي لِظُلْمَةِ قَبْرِي، أَبْكِي لِضِيقِ لَحْدِي، أَبْكِي لِسُؤالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ إِيايَ، أَبْكِي لِخُرُوجِي مِنْ قَبْرِي عُرْياناً ذَلِيلاً حامِلاً ثِقْلِي عَلى ظَهْرِي، أَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِي وَأُخْرى عَنْ شَمالِي إِذِ الخَلائِقُ فِي شَأْنٍ غَيْرِ شَأْنِي لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ وَذِلَّةٌ].

 

اللهمّ أعِنّا على الموت، وهوِّن علينا سكراته وألمه، وألطف بنا يا أرحم الراحمين.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1]   ميزان الحكمة، للريشهري: ج9، حرف الميم، الموت، (3720- الإنسان طريد الموت)، ح (19090)، ص3912.

[2]   نفس المصدر: (3718- اليقين بالموت)، ح (19075)، ص3910.

[3]   نفس المصدر: (3728- ذكر الموت)، ح (19148)، ص3922.

[4]   نفس المصدر: ح (19146)، ص3922.

[5]   نفس المصدر: ح (19147)، ص3922.

[6]   نفس المصدر: ح (19145)، ص3921.

[7]   نفس المصدر: (3729- الحثُّ على الإكثار من ذكر الموت)، ح (19154)، وح (19155)، وح (19156)، وح (19160)، وح (19161)، ص3923.

[8]   نفس المصدر: (3728- ذكر الموت)، ح (19149)، ص3922.

[9]   نفس المصدر: (3729- الحثّ على الإكثار من ذكر الموت)، ح (19154)، ص3923.

[10]   نفس المصدر: ح (19154)، ص3923.

[11]   نفس المصدر: ح (19155)، ص3923.

[12]   نفس المصدر: (3728- ذكر الموت)، ح (19144)، ص3921.