العلم أربع كلمات

bhothحينما نتأمّل في الأحاديث الشريفة الواردة عن النبي (ص) وأهل بيته (ع) نجدها تحثّ على العلم وطلبه وتجعل "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم"[1]، وتقول: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد"[2] و "اغدوا في طلب العلم"[3] و "سارعوا في طلب العلم"[4] و "اطلبوا العلم ولو بالصين"[5]، و "اطلبوا التعلُّم ولو بخوض اللُّجج وشَقِّ المُهج"[6]... وهكذا، قال تعالى: ((وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) (طه: 114).

 

ونحن نعلم أنّ العلم ليس واحداً فمنه النافع ومنه الضارّ ومنه الذي لا ينفع ولا يضرّ، فأيّ علم هو المراد، الأول أو الثاني أو الثالث؟ لاشكّ أنّ المقصود هو العلم النافع، لا العلم الذي لا ينفع ولا يضرّ فضلاً عن العلم الذي يضرّ ولا ينفع إلاّ ما كان في تعلّمه دفعاً لضرره فيدخل حينئذٍ في العلم النافع.

 

ولاشكّ أنّ أنفع العلم النافع هو ما يُوجب السعادة في الدارين: الدنيا والآخرة، وهو العلم الذي يقرّب صاحبه إلى الله تعالى أكثر وأكثر، قال رسول الله (ص): "إذا أتى عليّ يوم لا ازداد فيه علماً يقرّبني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم"[7]، وقد اختصر أمير المؤمنين (ع) هذا العلم في أربع كلمات، فقال: "أربع كلماتٍ: أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار، وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها"[8]، وهو (ع) في هذا الحديث - كما ترى - لا يخاطب آذان الإنسان وأسماعه ليدخل من أذن ويخرج من أخرى وإنّما يخاطب حقيقته ووجوده، عقله وفطرته، ضميره ووجدانه، ليأخذ بيده طوعاً إلى الله تعالى، فيقول له: إنّ المعرفة التي تنجيك من عذاب الله تعالى يوم القيامة، وتقرّبك منه سبحانه فتكون بسببها سعيداً خالداً في الجنّة تتمثّل في العلم بالموازنة بين الأخذ والعطاء، بين المعصية وما يترتّب عليها.

 

"أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه"، أي فكّر أيّها الإنسان وتدبّر: هل هناك وقت من أوقات حياتك، أو لحظة من لحظات عمرك لا تحتاج فيها إلى الله تعالى؟ وهل هناك وقت من أوقات حياتك أو لحظة من لحظات عمرك يمكنك أن تستقّل فيها عن الله تعالى وتستغني عنه؟ بالطبع لا، فأنت في وجودك محتاج إلى الله، وكذلك في استمرار وجودك لحظة بلحظة محتاج إلى الله، وستبقى خاضعاً لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ)) (فاطر: 15) مهما ارتفعت، ومهما استغنيت، ومهما تقدّم بك العلم وتطوّرت التكنولوجيا، فليس هناك لحظة من اللحظات يمكنك أن تستغني فيها عن الله، فعناية الله تعالى بك لم تكن من لحظة وجودك بل كانت من قبل أن توضع نطفتك في رحم أمّك، وإلى الوقت الذي انفصلت فيه عنها، وإلى الوقت الذي كنت فيه على ظهر هذه الأرض، وإلى أن تكون فيها، وإلى أن تخرج منها، وهكذا في يوم القيامة أنت محتاج إليه سبحانه، فحاجتك إلى الله مستمرّة دائماً وأبداً، فإذا كنتَ محتاجاً إلى الله فلتطع الله، وإذا كانت حاجتك إليه تعالى مستمرّة في كلّ لحظة من لحظات وجودك فعليك أن تطيعه في كلّ لحظة من لحظات وجودك، بل أعظم من ذلك عليك أن ترتقي بعبادتك لله تعالى إلى درجة عظيمة تتناسب مع عظمة حاجتك إليه سبحانه، فقول علي (ع) لك: "أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه"، هي دعوة منه (ع) إليك لِأَن تعبد الله طوال عمرك، وتطيعه كلّ حياتك، وأن لا تفكر - في أيّ لحظة من لحظات حياتك - إلاّ في طاعته سبحانه، وأن ترتقي بعبادتك مدارج الكمال والعظمة.

 

"وأن تعصيه بقدر صبرك على النار": أي فكّر أيّها الإنسان وتدبّر: هل تستطيع أن تصبر على النار؟ بإمكانك أن تجرّب إن أردت، اقترب من النار فانظر إلى نفسك هل تستطيع أن تتحمّل وهجها وأنت خارج عنها، فضلاً عن أن تتحمّل لسعة من لسعاتها، فضلاً عن أن تحترق بلهبها؟ فالواقع يقول، والحقيقة تشهد أنّك - أيّها الإنسان - مهما قويت عضلاتك لا تستطيع أن تقاوم النار البسيطة في الدنيا فضلاً عن أن تقاوم النار العظيمة فيها، فإذا كنت لا تستطيع مقاومة النار البسيطة في الدنيا فكيف ستستطيع أن تقاوم نار الآخرة؟ والحال أنّ نار الدنيا - مهما كبرت وعظمت - ما هي إلاّ مثال بسيط يقرّب الله تعالى لك به شيئاً من خطر نار الآخرة، تلك النار التي يقول فيها ربّ العزّة: ((إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى)) (المعارج: 15-16)، وفي مورد آخر يقول: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ * نَارٌ حَامِيَةٌ)) (القارعة: 10-11)، فهي - مهما اتّسع تصوّرك وخيالك - فوق تصوّرك وخيالك؛ لأنّك عاجز عن أن تدرك كنهها، ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ))، أي ما أدراك بكنهها وحقيقتها، ما أدراك بلهبها وحرارتها، فهي ليست مجرّد نار، بل ((نَارٌ حَامِيَةٌ))، أي شديدة الحرارة بحيث لا يمكنك تصوّر حرارتها، وهذا التعبير من الله، ولاشكّ أنّ تعبير الله تعالى يختلف عن تعبير الناس، فهذه نعم الدنيا التي لا يمكن عدّها لكثرتها وكثرتها ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا)) (إبراهيم: 34، النحل: 18)، يعبّر عنها الله تعالى بأنّها قليلة فيقول: ((قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ)) (النساء: 77)، وبالتالي لو كان الله تعالى يقول: (ناراً) لكفى، فكيف وقد وصفها بأنّها حامية أي شديدة الحرارة، فمهما تصوّرت حرارتها فاعلم بأنّ حرارتها فوق تصوّرك، ما ظنّك بنار قد "نُفِخ عليها ألف عام حتى ابيضّت، ثمّ نُفِخ عليها ألف عام حتى احمرّت، ثمّ نُفِخ عليها ألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، لو أنّ قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها، ولو أنّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها، ولو أنّ سربالاً من سرابيل أهل النار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه"[9]، يقول الإمام الباقر (ع) لعمرو بن ثابت: "إنّ أهل النار يتعاوون فيها كما تتعاوى الكلاب والذئاب ممّا يلقون من أليم العذاب، فما ظنّك يا عمرو بقومٍ لا يُقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفّف عنهم من عذابها، عطاش جياع، كليلة أبصارهم، صمّ بكم عمي، مسودّة وجوههم، خاسئين نادمين، مغضوب عليهم، فلا يرحمون من العذاب، ولا يخفّف عنهم وفي النار يسجرون، ومن الحميم يشربون، ومن الزقوم يأكلون، وبكلاليب النار يحطمون، وبالمقامع يضربون، والملائكة الغلاظ الشداد لا يرحمون، فهم في النار يسحبون على وجوههم، مع الشياطين يقرنون، وفي الأنكال والأغلال يصفدون، إن دعوا لم يُستجب لهم، وإن سألوا حاجة لم تقضَ لهم، هذه حال من دخل النار"[10]، ولذلك يخبر الله في كتابه - وهو خير المخبرين، وأصدق الصادقين - أنّ المجرم يتمنّى يوم القيامة الخلاص منها ولو كان الفداء الذي ينجيه منها هو أبناؤه الذين كان يتمنّى في دار الدنيا لو يستطيع أن يفديهم بنفسه وبكلّ ما يملك، يتمنّى الخلاص منها ولو كان الفداء هو زوجته وإخوته بل وكلّ فصيلته التي كان يعتزّ بها في دار الدنيا، يتمنّى الخلاص منها ولو كان الفداء هو كلّ مَن يعيش على وجه الأرض، يقول (جلّ وعلا): ((يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ)) (المعارج: 11-14)، فعليك - أيّها الإنسان - أن تفكّر في هذه النار وترى هل تستطيع أن تصبر على أذاها ولو لحظة من لحظات حياتك، فإذا كنتَ تستطيع أن تصبر فاعصِ الله ولكن بقدر ما تستطيع أن تصبر عليها، أمّا إذا كنتَ عاجزاً عن تحمّلها ولو للحظة من لحظات حياتك وهذا هو الواقع، فعليك أن لا تعصي الله في أيّ لحظة من لحظات حياتك؛ لأنّ جزاء المعصية - مهما كانت صغيرة حقيرة - هي النار، وبالتالي يتبيّن لك مراد الإمام (ع) من قوله: "أن تعصيه بقدر صبرك على النار"، وهو: أيّها الإنسان إذا لم تكن لك طاقة على تحمّل النار ولو للحظة فلماذا تعصي الله وأنت تعرف أنّ جزاء المعصية هو النار الحامية؟ فإذا انتفى صبرك على النار فلتنتفِ المعصية منك، فكأنّه قال لك: (لا تعصي الله طرفة عينٍ أبداً).

 

"وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها": أي عليك - أيّها الإنسان - أن توازن بين عمرك في الدنيا وبقائك في الآخرة هل هناك مجال للمقارنة، عمرك في الدنيا محدود وسيأتي اليوم الذي ينتهي فيه، بينما في الآخرة خلود لا موت فيه، وهو إمّا خلود في النار والعياذ بالله، وإمّا خلود في الجنة، وبالتالي يجب عليك أن تعطي الدنيا حقّها والآخرة حقّها، وحقّ الدنيا أن تعمل لها بمقدار ما تعيش فيها، وحقّ الآخرة أن تعمل لها بمقدار ما ستبقى فيها.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1]   أصول الكافي: ج1، كتاب فضل العلم، (باب فرض العلم وجوب طلبه والحثّ عليه)، ح (1)، ص20، وح (5)، ص21 .. حكم رسول الله (ص)، للأعلمي: حرف الألف، ح (356)، ص44 .. ميزان الحكمة، للريشهري: ج7، حرف العين، العلم، (2847- وجوب طلب العلم)، ح (13746)، وح (13749)، ص2746، وكذلك في (2846- الحث على طلب العلم)، ح (13740)، ص2745، وفي (2834- العلم وطاعة الله)، ح (13682)، ص2737، وفي ح (13745)، من (2847- وجوب طلب العلم)، ص 2746 قال: (كلّ مسلم ومسلمة) بدل (كلّ مسلم).

[2]   حكم رسول الله (ص)، للأعلمي: حرف الألف: ح (355)، ص44.

[3]   نفس المصدر: ح (407)، ص48.

[4]   نفس المصدر: حرف السين، ح (1731)، ص187.

[5]   ميزان الحكمة، للريشهري: ج7، حرف العين، العلم، (2846- الحث على طلب العلم)، ح (13740)، ص2745 .. حِكم رسول الله (ص)، للأعلمي: ح (356)، ص44.

[6]   نفس المصدر: ح (13741)، ص2745.

[7]   نفس المصدر: (2830- فضل العلم)، ح (13663)، ص (2734).

[8]   نفس المصدر: (2916- ألزَمُ العلم)، ح (14142)، ص2799.

[9]   بحار الأنوار، للمجلسي: م4، (24- باب النار)، ج8، ح (1)، ص460.

[10]   الفصول المهمة في أصول الأئمّة (ع)، للحرّ العاملي: ج1، الباب (82) إنّ جهنّم تشتمل على أشدّ العذاب وأنواع العقاب، ح (481/1)، ص365.