إنا أعطيناك (فاطمة)

003

قال الله العظيم في كتابه الكريم - بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم -: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  *  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ  *  إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)) (سورة الكوثر).

 

يقول المفسِّرون بأنّ هذه السورة إنّما نزلت لتطيّب خاطر النبي (ص) ولتزيل كلّ ما داخل قلبه الشريف من قول (العاص بن وائل السهمي)، فقد روى العلامّة المجلسي (رحمه الله): بأنّ العاص بن وائل قد التقى برسول الله (ص) عند باب بني سهم أثناء خروجه من المسجد وتحدّث معه وبعض صناديد قريش جالسون فلمّا أن دخل قالوا له: مع مَن كنتَ تتحدّث؟ فقال مع ذاك (الأبتر) وكان يقصد به رسول الله (ص)[1].

 

والأبتر من البَتْر، والبَتْرُ في اللّغة وإن كان يعني القطع إلاّ أنّه كان يستعمل كثيراً في استئصال ذنب الحيوان وقطعه، والأبتر هو الحيوان المقطوع الذنب، وفي تفسير البيان يقول الطبرسي: [الأبتر: أصله من الحمار الأبتر، وهو المقطوع الذنب]، ولأنّ العاص بن وائل كان يشنأ رسولَ الله (ص) ويكرهه عبّر عنه بـ (الأبتر) من باب المجاز؛ فكأنّه (عليه اللعنة) قد أنزل الرسول (ص) منزلة الحمار أو الحيوان المقطوع الذنب أو شبّهه بهما، والسبب هو أنّ ولديّ رسول الله (ص) القاسم وإبراهيم (ع) قد ماتا وأصبح الرسول (ص) في نظر العاص بن وائل وبقيّة طغاة قريش مقطوع النسل والذريّة؛ باعتبار أنّ الأولاد ينسبون إلى آبائهم لا إلى أمّهاتهم ولا أولاد له (ص)، فإذا مات مات ذكره وانتهى أمر دعوته.

 

وقيل بأنّ قريش كانت تستخدم هذه الكلمة في كلّ رجل متزوّج لا ولد له من الذكور وليس الأمر خاصّاً برسول الله (ص)، ولكنّ القول الأوّل أنسب مع أجواء السورة ونزولها وإلاّ لو كانت قريش تستخدم هذه الكلمة في كلّ رجل متزوّج ليس له ولد من الذكور لكان الأمر عاديّاً ولم يتطلّب انزعاج الرسول (ص) منها أو من قائلها؛ لأنّه مصطلح عام ولا يُراد منه الإساءة، ولكنّ استياء الرسول (ص) أوّلاً، ووصف القائل في الآية بالشنآن - وهي العداوة - ثانياً دليل على أنّ السبب الذي دعا الخصم للتلفّظ بها هو شنآنه وعداوته لرسول الله (ص)، وأنّه أراد بذلك احتقار النبيّ (ص) والاستهانة به وهتك حرمته، ولهذا تأذّى قلب النبي (ص) حينما وصله الخبر من فظاظة الكلمة ودناءة العدو وتجاسره، فنزلت هذه السورة عليه (ص) لتطيّب خاطره وترفع ما داخل قلبه الشريف من ألمٍ لقول عدوّه، وكأنّها تقول له: لا تحزن يا رسول الله ولا يتأذّى قلبك من هذا القول فهذا شأن العدو وهذه أخلاقه، ولكن اعلم يا رسول الله بأنّ كلامه هذا مردود عليه فقد شاء الله تعالى أن يكون هو الأبتر مقطوع النسل والذِّكر وتكون أنت صاحب النسل والذِّكر إلى يوم القيامة، فـ ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) الذي به سيبقى نسلك وذكرك.

 

وحينما نتأمّل في هذه السورة نعرف أنّ الكوثر شيء عظيم؛ لأنّه أُعْطِية الله تعالى لنبيّه (ص)، ونحن نعرف أنّ الهديّة أو الأعطية إنّما تكتسب قيمتها عند المعطَى له من قيمة معطِيها في قلبه، فإن كان المعطِي له مكانة عظيمة في قلب المعطَى له كانت لعطيّته قيمة عظيمة في قلبه؛ ومن هنا تكون هديّة المحبوب عظيمة في قلب المحبّ ولو كانت مجرّد وردة، وتكون هديّة الملك عظيمة في قلب خادمه وإن كانت في نفسها صغيرة حقيرة، فكيف إذا كان المعطِي هو الله تعالى أوّلا وكانت الهديّة في نفسها عظيمة ثانياً؟! ونعرف عِظم هديّة الله تعالى وعطيّته لنبيّه (ص):

 

أوّلا: من أنّ السورة بأجمعها نزلت لتطييب خاطره (ص) وإزالة ما داخله من همّ وحزن لمقولة عدوّه، والله تعالى بشّره بالكوثر الذي من خلاله لن يكون أبتر وإنّما الأبتر هو خصمه، فلابد أن يكون هذا (الكوثر) الذي هو محلّ البشارة شيئاً عظيماً في نفسه.

 

وثانياً: من أنّ قوله تعالى: (أعطيناك) فيه إيحاء بيّن بامتنان الله تعالى على نبيّه (ص) بإعطائه الكوثر، والامتنان لا يكون على الأمور الصغيرة والحقيرة وإنّما يكون على الأمور الكبيرة والعظيمة ممّا يدلّ على أنّ (الكوثر) شيء عظيم عند الله تعالى، ثمّ إنّ قوله تعالى: (إنّا) دالّ على العظمة، وكأنّه ضمان للنبي (ص) على قدرة الفعل والعطاء.

 

ومن هنا وقع الاختلاف بين المفسِّرين في المراد من (الكوثر) في هذه السورة، وتعدّدت أقوالهم حتى أنهاها بعضهم - كما يقول صاحب الميزان - إلى ستة وعشرين قولاً، منها على سبيل المثال: (نهر في الجنّة) و (القرآن الكريم) و (النبوّة) و (العلم) و (الحكمة) و (كثرة النسل والأولاد) و (كثرة الأصحاب والأتباع) و (كثرة العلماء في أمّته) و (المقام المحمود له عند الله)... وغير ذلك، وأكثر هذه الأقوال - كما يقول صاحب الميزان أيضاً - تحكّم أي أقوال بلا أدلّة.

 

ونحن إذا تأمّلنا السورة جيّداً ونظرنا إلى ذيلها وهو قوله تعالى: ((إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)) لوجدنا أنّه يتّفق مع روايات سبب النزول عند السنّة والشيعة، وهي الروايات التي تذكر بأنّ شانئه - سواء كان العاص بن وائل أو غيره كما في بعض المرويّات - قد عابه بأنّه (أبتر) لا ولد له من الذكور، وأنّ السورة نزلت لتطييب خاطره على الأقل من هذا الجانب بأنّه ليس أبتر بل عدوّه هو الأبتر؛ لأنّه قد أُعطي الكوثر، ومنه نفهم أنّ (الكوثر) مرتبط بالنسل والأولاد لا غير، وبما أنّ الرسول (ص) لم يعطَ من صلبه إلاّ فاطمة (ع) ولم تكن له (ص) ذريّة إلاّ منها ذهب أغلب مفسِّروا الإماميّة - إن لم يكن كلّهم - إلى أنّ المقصود بالكوثر هي فاطمة الزهراء (ع)، والمعنى هو: إنّا أعطيناك فاطمة ومنها ستكون ذريّتك التي ستّتصل إلى يوم القيامة، وهذه الذريّة لن تحمل اسمك وتنتسب إليك مباشرة بحيث إذا قيل (سيّد) قيل (ابن رسول الله) وحسب بل سيحملون رسالتك وأهدافك إلى يوم القيامة.

 

يقول الفخر الرازي - وهو واحد من كبار مفسري أهل السنة والجماعة -: [القول الثالث: الكوثر أولاده، قالوا لأنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على مَن عابه (ع) بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ثمّ العالَم ممتلئ منهم ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا (ع) والنفس الزكيّة وأمثالهم][2]، وهذه الأولاد والذريّة مصدرها الزهراء فاطمة (ع) فتكون هي المراد بـ (الكوثر) في السورة.

 

ويمكن الجمع بين الأقوال كلّها باعتبارها مصاديق لمفهوم واحد وهو (الخير الكثير)؛ باعتبار أنّ (الكوثر) مشتقّ من (كَثَرَ) على صيغة (فَوْعَل) وهو الشيء الذي من شأنه الكثرة، من قبيل: (نَوْفَل) المشتقِّ من (نَفَلَ) بمعنى كثير النوافل، فيكون معنى الآية حيئنذٍ أنّ الرسول (ص) قد أعطي خيراً كثيراً جدّاً، ومن هذا الخير: (النهر في الجنّة) و (القرآن الكريم) و (النبوّة) و (العلم) و (الحكمة) و (المقام المحمود) و (كثرة الأولاد) و (كثرة الأتباع)... وهكذا، فكلها مصاديق وأفراد للخير الكثير الذي أُعطيه رسول الله (ص)، وقد جاء في (الدرّ المنثور للسيوطي) عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنّه قال: "الكوثر الخير الذي أعطاه الله إيّاه. قال أبو بشر: قلتُ لسعيد بن جبير: فإنّ أناساً يزعمون أنّه (نهر في الجنّة)، قال: النهر الذي في الجنّة من الخير الذي أعطاه الله إيّاه"[3]، ولكن يبقى أنّ من أوضح مصاديق الخير الكثير الذي أعطيه رسول الله (ص) هو فاطمة (ع)، وإلاّ لما كان لقوله تعالى: ((إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)) أيّ فائدة كما قال صاحب الميزان، ولما كانت السورة منسجمة مع سبب النزول.

 

يقول السيّد فضل الله (عليه الرحمة) في تفسيره (من وحي القرآن)[4]: [إذا كانت السورة قد نزلت في أجواء الكلمات التي أثارها بعض سفهاء قريش في حديثهم عن النبي بأنه أبتر لا ذريّة له من الذكور فقد يكون الحديث عن الخير الكثير إشارة إلى الذريّة الكثيرة التي للنبيّ محمّد (ص) من ابنته فاطمة (ع) ليكون ذلك بمثابة الردّ على هؤلاء في ما أوردوه من إضعاف معنويّة النبيّ (ص) بهذه الكلمة التي كانت تمثّل مدلولاً سلبيّاً في المجتمع القائم على اعتبار الامتداد في الذريّة لوناً من ألوان القيمة الذاتيّة للإنسان هناك].

 

وبهذا نعرف أنّ المراد بالكوثر هو فاطمة (ع) وهو الحقّ الذي نراه، وعند التنزّل ومحاولة الجمع بين الأخبار - بل والأقوال التي عليها دليل والتي ليس عليها دليل - وتأليفها لا يمكننا أن نفسّر (الكوثر) بعيداً عن فاطمة وذريّتها (ع)، فلابد أن نجعل فاطمة (ع) أبرز مصاديقها وأوضح أفرادها وإلاّ:

 

-  انعدم الانسجام بين السورة وسبب نزولها أوّلاً: لأنّ سبب النزول يتحدّث في الذريّة، والسورة - إذا فسّرت بعيداً عن فاطمة وذرّيتها (ع) - تتحدّث عن أمرٍ آخر غير الذريّة، فيكون سبب النزول مرتبط بأمرٍ والسورة مرتبطة بأمرٍ آخر، ولا يوجد رابط بين الأمرين، وكما يقولون: يكون السبب - أي سبب نزول السورة - في وادٍ و المسبب عنه - وهو السورة - في وادٍ آخر.

 

-  انعدم الانسجام بين أوّل السورة وآخرها ثانياً: لأنّ آخر السورة يتحدّث عن الذريّة وهو قوله تعالى: ((إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)) (الكوثر: 3)، وهو منسجم تمام الانسجام مع سبب النزول، أمّا أوّل السورة وهو قوله تعالى: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) (الكوثر: 1)، فهو بحسب الفرض يتحدّث عن أمر آخر، فلا يقع الانسجام بين (الكوثر) و (الأبتر)، ويكون كلّ واحد منهما أجنبيّاً عن الآخر.

 

وإذا عرفنا أنّ المقصود بـ (الكوثر) هو فاطمة (ع) أو أنّ فاطمة (ع) هي أبرز مصاديقه وأوضح أفراده عرفنا ما لفاطمة (ع) من العظمة والشأن والمنزلة:

 

-  في نفسها أوّلاً: لأنّها تمثّل الهبة والأعطية الصادرة من العظيم (جلّ وعلا) لحبيبه (ص)، وهي موضع امتنانه سبحانه على نبيّه (ص).

 

-  عند الله تعالى ثانياً: باعتبارها هبته وأعطيته تعالى إلى حبيبه ونبيّه (ص)، والتي امتنّ بها عليه.

 

- وعند رسول الله (ص) ثالثاً: باعتبارها هبة المولى سبحانه وأعطيته إليه، وهي موضع الامتنان عليه (ص).

 

 ----------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1]  راجع بحار الأنوار: م9، ج17، [1- باب: إعجاز أمّ المعجزات: القرآن الكريم]، ح (2)، ص133.

[2]  التفسير الكبير: م16، ج32، ص125.

[3]  الدر المنثور: ج15، سورة الكوثر، ص701.

[4]  في: ج24، ص447.