انقلاب على الأعقاب

01

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) (آل عمران: 144).

 

يقول أهل العلم والتفسير بأنّ هذه الآية المباركة قد نزلت بعد غزوة أحد، وغزوة أحد هي الغزوة الثانية من الغزوات التي التحمت فيها جيوش المسلمين بجيوش المشركين، فالغزوة الأولى هي غزوة بدر الكبرى وقد مُنِي فيها المشركون بخسارة كبيرة حيث قضت فيها أبطالهم بين قتيل وأسير، ولمّا رجعوا إلى مكّة المكرّمة منعهم أبو سفيان من البكاء والنوح على قتلاهم ليبقوا على حنقهم وغيظهم حتى يفكّروا بالثأر لهم في الليل والنهار، وقال لتأكيد ذلك أوّلاً، ولتهيجهم ثانياً: "الدهنُ والنساء عليَّ حرام حتى أغزو محمّداً"[1].

 

وبقوا يعدّون العدّة لقتال الرسول (ص) من جديد وأخذ الثأر منه، فلمّا جهّزوا جيشهم ساروا نحو المدينة فلقيهم رسول الله (ص) عند (جَبَل أُحُد) وهو جبل مشهور بالمدينة المنوّرة على أقل من فرسخ منها، وسمّي بـ (أُحُد) لانفراده لوحده وانقطاعه عن الجبال الموجودة هناك.

 

وقبل أن تبدأ الحرب بين الطرفين التفت رسول الله (ص) إلى (عبدالله بن جبير) وجعله أميراً على خمسين رجلاً من الرماة وأرسلهم إلى ثغرة كانت في جبل أحد وقال له: "انضحوا الخيل عنّا بالنبل، واحموا لنا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكّة فلا تبرحوا من هذا المكان حتى أُرسل لكم، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا حتى أُرسل لكم"، ولمّا بدأت المعركة وانتصر المسلمون وبانت الهزيمة في قريش ورأى الرماةُ المسلمين يجمعون الغنائم قالوا: "نريد أن نغنم كما يغنم النّاس!" فقال لهم عبدالله بن جبير: "إنّ رسول الله (ص) أمرني أن لا أبرح من مكاني هذا"، ولكنّهم اجتهدوا مقابل نصّ رسول الله (ص) وقالوا: "أمرك بهذا ما لم يبلغ الأمر إلى ما نرى"، ثمّ خالفوا أمر رسول الله (ص) ونزلوا عن الجبل وأصبحوا يجمعون الغنائم مع المسلمين ولم يبقَ في تلك الثغرة إلاّ عبدالله بن جبير والقليل ممّن بقي معه، فلمّا نزلوا بَصُر بهم خالد بن الوليد - وكان يومذاك يقاتل في صفوف المشركين - فمال بالفرسان الذين معه على عبدالله بن جبير ومَن معه فقتلهم وأصبحوا يرشقون المسلمين بنبالهم ويرمونهم برماحهم حتى وقعت النكسة في أصحاب رسول الله (ص)[2].

 

وهذا النكسة كانت ضروريّة الوقوع لكي لا يتجرّأ المسلمون مرّة ثانية على الاجتهاد مقابل نصّ النبي (ص) أوّلاً، ولا على مخالفة أوامره (ص) ثانياً؛ لأنّهم إذا خالفوا أوامره (ص) ولم يصبهم أذى جرّاء مخالفته (ص) فلن تكون عندهم قيمة لأوامر رسول الله ونواهيه، وسيعتادون على مخالفتها، فكانت النكسة ضروريّة، وكانت مؤلمة لهم إلى حدّ انكسار شوكتهم وفرارهم من المعركة، فقد ذكر المؤرّخون بأنّ المسلمين فرّوا من المعركة وتركوا رسول الله (ص) بين الأعداء، ليس معه إلاّ القلّة القليلة من خلّص أصحابه كـ (عليّ بن أبي طالب) و (أبي دجانة) وهو (سماك بن خرشة) و (سهل بن حنيف)[3]، فنزلت هذه الآية لتوبّخ المسلمين على تركهم رسول الله (ص) في المعركة أشبه بالوحيد بين أعدائه.

 

يقول تعالى في معرض التعريض بهم: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ))، أي ما كنتم تظنّون بمحمّد (ص)؟ أكنتم تظنّونه إلهً لا يموت حتى تسلموه وحيداً إلى الأعداء؟! إنّما هو مجرّد رسول أرسله الله تعالى إليكم، وبالتالي هو بشر مثلكم، يجري عليه ما يجري عليكم، فلابدّ له من الموت، ألم يقل الله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)) (آل عمران: 145، الأنبياء: 35، العنكبوت: 57)، ومحمّد (ص) نفس، فلابدّ أن يذوق الموت في يوم ما؟ ألم يقل الله تعالى لمحمّد (ص): ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) (الزمر: 30)؟ أما كنتم تعرفون ذلك؟ أما كنتم تقرؤون القرآن؟

 

فالله تعالى حين يقول لهم: أنّ محمّداً (ص) ما هو ((إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ))، لا يريد أن يقول لهم: أنّ النبي (ص) رسول قد مضت من قبله رسل، بمعنى أنّ هناك مَن سبقه (ص) في الزمان، فهذا شيء معلوم، وكلّهم يعرفونه بل ويعرفون أنّه (ص) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبيّ بعده ولا رسول، وإنّما أراد بذلك أن يقول لهم: أنّ النبي (ص) ليس بدعاً من الرسل لكي لا يموت أو يقتل، أليس هو القائل: ((مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ)) (الأحقاف: 9)، وبالتالي كما مات الرسل قبله وكما قتلوا فإنّه (ص) سيموت ذات يوم أو يقتل[4]، والسؤال: ((أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ))؟ والفرق بين الموت والقتل - كما يقول الطباطبائي في الميزان[5] - هو: أنّ الموت معناه زهاق الروح وبطلان حياة البدن، والقتل هو نفسه الموت إذا كان مستنداً إلى سبب عمدي أو نحوه، فالموت أعمّ من القتل، فإذا افترقا في الذكر كان الموت شاملاً للقتل، وإذا اجتمعا كان معنى الموت ما هو بحتف الأنف، والقتل ما هو بخلافه.

 

فيكون معنى الآية حينئذٍ: أفإن قضى محمّد (ص) نحبه - سواء كان موته حتف أنفه أو مستنداً لسبب من الأسباب - انقلبتم على أعقابكم؟ والاستفهام هنا إنكاري توبيخي، فالله تعالى يُنكر عليهم انقلابهم ويوبّخهم عليه، والانقلاب على العقب معناه المشي نحو الوراء، وحيث جعل الله الإنقلاب على الأعقاب جزاءً للشرط الذي هو موت الرسول (ص) كان المراد بالإنقلاب على الأعقاب هو (الرجوع عن الدين) لا الفرار من القتل كما يحاول أن يصوّره البعض؛ لأنّه لا يوجد أيّ ارتباط بين الفرار من الزحف وبين موته أو قتله (ص)، ويشهد على ذلك أنّ فرار المسلمين من المعركة لم يكن في غزوة أحد فقط بل تكرّر منهم في (غزوة خيبر) و (غزوة حُنين) وغيرها ولم يخاطبهم الله تعالى بمثل هذا الخطاب - ولو من باب التأكيد عليه - ممّا يدلّ على أنّ هذا الخطاب لا يرتبط بفرارهم من المعركة وإنّما يرتبط بشيء أهمّ وأكبر، وليس هو إلاّ الخروج من الدين والرجوع إلى الكفر، إلى دين الجاهليّة، ويشهد على ذلك قوله تعالى للمسلمين في آية أخرى: ((ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)) (آل عمران: 154)، إذن هناك طائفة من المسلمين كانت تظنّ بالله تعالى ظنّ الجاهليّة، بمعنى أنّهم لا زالوا يعيشون الجاهليّة في أنفسهم، لا زالوا على دين الجاهليّة ولذلك هم يظنّون بالله هذا الظنّ، هؤلاء يريدون أن ترجع الجاهليّة أو أن يرجع الناس إلى دين الجاهليّة، ولذلك ورد في روايات أهل السنّة أنّ منادٍ كان ينادي يوم أحد: "لقد مات محمّد فارجعوا إلى دينكم الأوّل"، والدين الأوّل هو دين الجاهليّة، هو الكفر[6].

 

فقوله تعالى: ((أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) يعني.. إذا مات أو قُتل رجعتم من الإيمان إلى الكفر[7]، لماذا؟ أتظنّون أنّ بقاء الدين مرهون ببقاء النبي (ص) أو أنّ عزّة الدين إنّما هي بوجود النبي (ص) فإذا مات أو قتل انتهى الدين وانقضت عزّته؟ لا، فمحمّد (ص) ليس هو المشرِّع، بل المشرِّع هو الله تعالى، وما محمّد (ص) إلاّ رسولٌ إليكم من قِبله تعالى، حاله حال الأنبياء والرسل الذين سبقوه، وحالكم حال أممهم، فكما لم يضرّ اللهَ تعالى أولئك المنقلبون على رسالات أنبيائهم (ع) ورسل الله إليهم فكذلك أنتم لن تضرّوا الله شيئاً؛ لأنّ الله تعالى هو الغنيّ المطلق الذي لا يحتاج إليكم، ولا تضرّه معصيتكم كما لا تنفعه طاعتكم، بل على العكس تماماً، أنتم المحتاجون إليه تعالى دائماً وأبداً، بل أكثر من ذلك: ((وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ)) ليس فقط ((فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً))، بل سيضرّ نفسه؛ لأنّ القرآن يقول، والواقع يشهد: ((وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)) (فاطر: 43)، أمّا مَن يثبت على الهدى ويشكر نعمة الدين فإنّ الله تعالى سيجزيه جزاء الشاكرين، ((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ))، يقول تعالى: ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)) (إبراهيم: 7).

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1]  يقول العلاّمة المجلسي في (بحار الأنوار: ج19، [10- باب: غزوة بدر الكبرى]، ح82، ص186): [قال الواقدي: فلمّا رجعت قريش إلى مكّة قام فيهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لا تبكوا على قتلاكم، ولا تنح عليهم نائحة، ولا يندبهم شاعر، وأظهروا الجلد والعزاء؛ فإنّكم إذا نحتم عليهم نائحة وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم فأكلَّكم عن عداوة محمّد وأصحابه، مع أنّ محمّداً وأصحابه إن بلغهم ذلك شمتوا بكم فتكون أعظم المصيبتين، ولعلّكم تدركون ثاركم، فالدهن والنساء عليَّ حرام حتى أغزو محمّداً].

[2]  راجع بحار الأنوار: ج20، [12- باب: غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد]، ح3، ص229.. و ح28، ص253-254.. وح50، ص273-274.

[3]  راجع المصدر السابق: ح7، ص240.. و ح17، ص248.

[4]  وفي بحار الأنوار - م10، ج20، [12- باب: غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد]، ص217 - عن ابن عباس أنّه قال: [((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) يعني أنّه بشر اختاره الله لرسالته، وقد مضت قبله رسل بعثوا فأدّوا الرسالة ومضوا وماتوا، وقُتل بعضهم، وإنّه يموت كما ماتت الرسل، فليس الموت بمستحيل عليه ولا القتل].

[5]  الميزان في تفسير القرآن: ج4، ص38.

[6]  يقول الفخر الرازي في تفسيره الكبير - في: م5، ج9، المسألة الأولى، ص22 -: [ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله (ص) بحجر فكسر رباعيّته وشجّ وجهه، وأقبل يريد قتله فذبّ عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة، فظنّ أنّه قتل رسول الله (ص)، فقال: قد قتلتُ محمّداً، وصرخ صارخ ألا أنّ محمّداً قد قتل، وكان الصارخ الشيطان، ففشا في النّاس خبر قتله، فهنالك قال بعض المسلمين: ليت عبدالله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وقال قوم من المنافقين لو كان نبيّاً لما قُتِل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم] أي إلى دينكم الأوّل وهو الكفر.. وفي بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي - [12- باب: غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد]، ص216 -: [وفشا في النّاس أنّ رسول الله (ص) قد قُتِل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبدالله بن أبيّ فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: فالحقوا بدينكم الأوّل]، ونقل عن عمران بن حصين - ح17، ص248 من نفس الجزء والباب - أنّه قال: [لمّا تفرّق الناسُ عن رسول الله (ص) في يوم أحد جاء علي (ع) متقلِّداً سيفه حتى قام بين يديه، فرفع رسول الله (ص) رأسه إليه، فقال له: ما بالك لم تفرّ مع الناس؟ فقال: يا رسول الله، أأرجع كافراً بعد إسلامي].

[7] يقول الفخر الرازي في تفسيره الكبير - في: م5، ج9، المسألة الثالثة، ص24 -: [قوله: ((انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) أي صرتم كفاراً بعد إيمانكم، يُقال لكلّ مَن عاد إلى ما كان عليه: رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه، وذلك أنّ المنافقين قالوا لضعفة المسلمين: إن كان محمّد قُتل فالحقوا بدينكم]، ويقول الطبري في تفسيره - ج2، ص337 -: [((انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) يعني: ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمّداً بالدعاء إليه ورجعتم عنه كفّاراً بالله بعد الإيمان به، وبعدما قد وَضَحتْ لكم صحّة ما دعاكم محمّد إليه، وحقيقة ما جاءكم به من عند ربّه، ((وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ)) يعني بذلك: ومَن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافراً بعد إيمانه].